قال ابن تيمية في الصفدية (2/ 232) : “ومما يبين ذلك أن هؤلاء لا يقولون إن العبادات التي شرعتها الرسل إنما غايتها إصلاح خلق الإنسان (يعني أن المشركين ليسوا كالفلاسفة) فإنّ حكمتهم كحكمة سائر الناس نوعان علمية وعملية، والعملية هي إصلاح سياسة الخلق والمنزل والمدينة، ويزعمون أن الشرائع مقصودها هو هذا وهو السياسة المدنية والمنزلية والخلقية. وقد تقدم أنا لا ننكر ما في قولهم من الحق بل ننكر عليهم ما في قولهم من الباطل، وننكر عليهم زعمهم أن لا حق فيما جاءت به الرسل إلا ما ذكروه، فننكر تصديقهم بكثير من الباطل وتكذيبهم بكثير من الحق، ولا ريب أن فيما جاءت به الرسل إصلاح أخلاق الناس وإصلاح منازلهم في عشرة الأهل والأزواج وغير ذلك، وإصلاح المدائن بالسياسة العادلة الشرعية لكن هذا كله جزء من مقاصد الرسل، وهؤلاء الفلاسفة إنما قالوا هذا لأن الله عندهم لا يجيب دعاء داع ولا يحدث ثوابا لعابد مطيع وليس للنفوس بعد المفارقة عندهم ثواب منفصل عنها ولا عقاب منفصل عنها ولا يقوم الناس من قبورهم عندهم”
أقول: هنا يذكر ابن تيمية أن الفلاسفة الذين يؤمنون بمعاد الأبدان رأوا أن الشرائع غايتها إصلاح أخلاق الناس لتحقيق المدينة الفاضلة.
ولو تأملت في أطروحات من يقول لك إذا رآك تنكر البدع العقدية (ما الفائدة من هذه الأمور؟) فإنك تجده غالباً يلتقي مع هؤلاء في الطرح، لأن الفائدة عنده محصورة بإصلاح الدنيا، وكل شيء يدور على حقوق البشر، فإصلاح السياسة والاقتصاد والأحوال الاجتماعية هو المطلب الأعظم.
ولا شك أن في الدين إصلاحاً لمعاش الناس، ولكن هذا ليس الدين كله، فكما قال ابن تيمية (هذا كله جزء من مقاصد الرسل) وإلا فهناك الإيمان بالغيب.
ثم قال ابن تيمية في الصفدية (2/ 233) : “فهم ضلوا من وجوه منها ظنهم أن النفس كمالها في مجرد العلم وأن العبادات الشرعية مقصودها تهذيب الأخلاق ورياضة النفس حتى تستعد للعلم فإن هذا باطل قطعا، وذلك أن النفس لها قوتان قوة علمية وقوة عملية قوة الشعور والعلم والإحسان وقوة الحب والإرادة والطلب والعمل فالنفس ليس كمالها في أن تعلم ربها فقط بل في أن تعرفه وتحبه وإلا فإذا قدر أن النفس تعرف الواجب وهي تبغضه وتنفر عنه وتذمه كانت شقية معذبة بل هذا الضرب من أعظم الناس شقاء وعذابا وهي حال إبليس وفرعون وكثير من الكفار فإنهم عرفوا الحق ولم يحبوه ولم يتبعوه وكانوا أشد الناس عذابا.
بل حب الله تعالى هو الكمال المطلوب من معرفته وهو من تمام عبادته فإن العبادة متضمنة لكمال الحب مع كمال الذل”.
وقولهم هذا في العبادات يقوله بعض الناس في نصوص الصفات، فيقولون المهم من نصوص الصفات تحقيق الاستقامة الأخلاقية أو التعبد فحسب، فيقال كما قال ابن تيمية المطلوب الإيمان بالغيب ومحبة الله عز وجل وإنما يحبه من عرفه كما أخبرت عنه رسله، وكل وصف ورد في النصوص إن تدبره العبد زادت محبته لله عز وجل.
وقد نبه ابن تيمية على هذا فقال في (2/ 235) : “وكذلك الجهمية لا تجد في قلوبهم من محبة الله وعبادته ما في قلوب عباده المؤمنين بل غاية عابدهم أن يعتقد أن العباد من جنس الفعلة الذين يعملون بالكراء فمنتهى مقصوده هو الكراء الذي يعطاه وهو فارغ من محبة الله”.
والجهمية ينفون الصفات، فلم يقل ابن تيمية ليس المهم أن تعلم أن الله ينزل أو لا ينزل المهم أن تقوم الليل، بل فهم أن من قام الليل أو حتى نام على فراشه وهو مستحضر أن الله ينزل ليقول: «من يستغفرني فأغفر له.» أن ذلك يقع في قلبه من المحبة الشيء العظيم، ومن يحتاج لرب له وجه يراه بخلاف من لا يؤمن بهذا وإنما بابه النظر للثواب المنفصل من مخلوقات فحسب.
قال ابن تيمية في الصفدية (2/ 236) : “وإذا تبين هذا علم أن الرب تعالى موصوف بالعلم والحب والفرح والرضا وغير ذلك مما جاء به الكتاب والسنة والعبد كماله في أن يعرف الله فيحبه ثم في الآخرة يراه ويلتذ بالنظر إليه”.
ونبه الشيخ في محل آخر على أن لذة النظر إليه أعظم لذة حاصلة واستدل بالسنة لذلك.
ونبه الشيخ أيضا على أن لذة القرب والمناجاة أعظم لذة في الدنيا (وجعلت قرة عيني في الصلاة) وكثير من هؤلاء المساكين حرموا منها ويريدون حرمان الناس، وليس معنى هذا إهمال حقوق الخلق ولكن المرء يسير في هذا السياق بمشاهدة صفات الحق سبحانه وإنما يكمل أمره.
وقال ابن تيمية كما في الفتاوى الكبرى راداً على من يهون شأن الصفات (1/ 128) : “إذ كونها من أصول الدين، يوجب أن تكون من أهم الدين، وأنها مما يحتاج إليه. ثم نفي نقل الكلام فيها عن الرسول يوجب أحد أمرين، إما أن الرسول أهمل الأمور المهمة التي يحتاج الدين إليها فلم يبينها، أو أنه بينها فلم ينقلها الأمة، وكلا هذين باطل قطعا، وهو من أعظم مطاعن المنافقين في الدين”.
وكثير من هؤلاء هذه حقيقة مقالته.