رد على العلمويين “القرائة الجديدة للدين”

في

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

نريد دراسة علمية وفقاً للمعايير التجريبية تحدثنا عن العين والحسد والمس!

تعرف ما ينطوي عليه هذا الكلام؟

أولاً: ينطوي على علموية وهي اعتقاد أن البحث التجريبي هو المصدر الوحيد للمعرفة لا الوحي ولا الاستدلال العقلي ولا غير ذلك، ومن يؤمن بهذا تراه عادة يكفر بالجن والملائكة ونحوها.

وهذا الفكر ينطوي على تناقض ذاتي، إذ دعوى الحصر هذه لا يوجد دليل تجريبي عليها، والعلم التجريبي إن كان مبنياً على نفسه فذلك دور وإن كان مبنياً على العقل والحس فقد اعترفنا بمصدر آخر للمعرفة.

وأصحاب هذا التفكير لا يقفون هنا، بل كثير منهم يرى أن أي نظرية تجريبية صحيحة أو كانت أصح الموجود بمعنى أنها فسرت الواقع تفسيراً قريباً، ثم توقعت بعض التوقعات وكانت صحيحة يرون أن هذه النظرية تعكس الواقع مائة بالمائة ليس في الحاضر بل في الماضي والمستقبل وما يغيب عنا أيضاً، ويستبطنون عقيدة لا دليل عليها أن الكون يعمل بالطريقة نفسها منذ وجوده ( وهذه والتي بعدها مجرد دعوى بلا دليل ) ، وأنه لا توجد أي تأثيرات خارجية ممكنة حدثت أو ستحدث فيما غاب عنا وتغير النتيجة، وفي هذا يقول هاوكنج: إذا سمحنا للإله بالتدخل في وقت (يعني خلق الكون) فسنسمح له بالتدخل في أي وقت.

وهذه الفكرة ناقضها آخرون وبينوا لهم أن هناك نظريات كثيرة دامت قروناً وفسرت الواقع وكان لها توقعات صحيحة تماماً، ثم ظهر لنا عدم صحتها أو ترجيح غيرها عليها، فغاية ما في النظريات أنها ظنية.

ولذلك من يعتقد في بعض النظريات الفلكية القطع أو نظرية التطور مثلاً هو يبني على هذه الفلسفة المتهافتة، وإذا صح مصدر آخر للمعرفة غير العلم التجريبي، جاز أن يقدم على العلم التجريبي عند التعارض، كما يقدم العالم الحديث الصحيح على القياس، فهي معارف تتعارض.

فلو فرضنا أن العلم التجريبي نفى معرفته بالأمر والنص الشرعي أثبت ذلك، فالمثبت مقدم على النافي.

وهذا هو ملخص جدل الواقعية العلمية واللاواقعية العلمية.

ثانياً: عدم العلم بالشيء ليس علماً بالعدم.

فلو قال العلم التجريبي: (لم أكتشف الشيء الفلاني حالياُ)، فقد يكتشفه بعد ألف سنة حين تتطور أدوات العلم، وقدمنا أنه ليس المصدر الوحيد للمعرفة.

ثالثاً: علينا أن نفرق بين العلة التامة والعلة الناقصة، والعلميون لا يفهمون هذا عادة، فلو أن رجلاً أصيب بجلطة وتعامل معها الأطباء في وقتها وكان الأمر عائداً لسنه، فذلك لا ينفي أنه مما سرع الجلطة قلة الحركة والتدخين وسماعه لأخبار سيئة.

كل سبب من هذه هو جزء من العلة، بعضها يتعامل معه الطبيب وبعضها يتعامل معه النفساني وبعضها يتعامل معه غيرهم، وبعضها لا يمكنهم الوقوف عليه والتعامل معه من الأساس.

وكذلك الأمور المتعلقة بالعين والمس إذا كان لها آثار على البدن، فالطب قد يتعامل مع الآثار ولا ينافي ذلك أن لها سبباً من ذلك.

ويدل عليه قوله تعالى: {واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب} [ص: ٤١]، وكانت علته ظاهرة بدنية معروفة، وكذلك حديث: «إنما ذلك ركضة من الشيطان»، وأيضاً خبر التثاؤب من الشيطان، هل هذا ينفي وجود أسباب عضوية للأمر؟ وأيضاً ملك للمطر هل ينفي أسباب المطر المعروفة عندنا؟

رابعاً: توسع جماعة من الرقاة في الأمور، وكذلك توسع كثير من الناس في أمر العين، وتوسعهم أيضاً في العلاج النفسي، لا يجعلنا ننكر صحة الأمر من أصله، وننتقد التوسع، لا أن نهدم الباب على طريقة سفهاء المتشرعين، فتراهم مثلاً رأوا من يغلو في التكفير فهدموا الباب بالكلية.

فحتى العلاج النفسي قد يلجأ له المرء ويغفل عن أمور عضوية تعالج، فربما يصيبه الاكتئاب بسبب نقص الفيتامينات، ويراجع نفسانيين وينفق الأموال ويتأخر علاجه.

والهاجس الربحي حاضر عند الجميع، وهاجس الابتعاد عن الشعور بالذنب وإصلاح النفس كثير في الناس خصوصاً النساء، فيعجبهم أن يقال لهم: هذه عين وكأنهم لا ذنوب لهم، ويعجبهم أيضاً أن يقال لهم: هذا مرض نفسي ثم يدخلون في سياق الضحية المحبب للنفوس، وكثير من المختصين يفهمون أن هذا النوع من الخطاب يضمن له انتشاراً، فيكثر منه مع الأسف دون أن يتزن.

ولو اقتصر الرقاة على إرشاد الناس للأذكار وتلاوة القرآن وكثرة ذكر الله والتوكل عليه، فهذا الالتزام به ينفع الصحيح والمريض.

والأمراض النفسية أكثر من أن تضبط، ففي بعض المجتمعات هناك عقدة (أنا منصف) (أنا لست متشدداً) (أنا لست رجعياً) (أنا لست صحوياً) ونحوها، فهذه عقد نفسية تفرز خبطاً وخلطاً في الأبحاث المعرفية.