”الوعظ لا ينفع مدمن الإباحية والعادة السرية“ وقفة مع جبرية النفسانيين…

في

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

هذا طرح جديد بدأ يفشو، وهو أن الوعظ الديني والتذكير بالجنة والنار لا يفيده لأنه أحاطت به ظروف أوجبت ذلك، وبالتالي إن لم تعالج هذه الظروف فإن وعظك لا ينفع.

وهذا الطرح يناقض ثوابت الكتاب والسنة في أن كل عاص ينبغي وعظه وينفعه الوعظ والتذكير، ولو صغنا الأمر بهذه الصياغة: (زواجر الكتاب والسنة لا ينفعان المدمن) لكانت صياغة مبيّنة لقبح هذه الفكرة، ولكن دعني أشرح لك الأمر بتروٍ، من أين جاءت هذه الفكرة؟ وما مشكلاتها؟

هنا أطروحة مشهورة عند كثير من النفسانيين الغربيين، وهي أن إدمان المخدرات وأي نوع إدمان آخر هو مرض وليس عيباً شخصياً؛ فكما أنك لا يمكن أن تلوم شخصاً على الزكام، كذلك لا ينبغي أن تلومه على الإدمان.

ويذمون القوانين التي تفرض العقوبات على المدمنين ويرون أنها غير مجدية، وهذا الطرح قد يصل إلى درجة متقدمة من السخف، كدعوى أن القاتل المتسلسل كل ما عنده خلل جيني فلذلك لا ينبغي معاقبته، وإنما نضعه في قفص كما نضع الحيوان المفترس، وإلا فهو غير ملام فإن ما عنده مجرد خلل جيني.

هذه الأطروحات تداخلت فيها الفلسفة مع العاطفة والاعتقادات المسبقة مع بعض النتائج التجريبية، وهذه عادة في السياقات الغربية ويأخذها الناس عندنا مسلمة.

فالعلم التجريبي فيه معضلة العلوم الإنسانية، وأنها لا تخضع للقواعد الثابتة كالعلوم الطبيعية، وهم يعتقدون أن البشر مجرد آلات، فعامتهم ينفي الإرادة الحرة، وقد بيّن هذا صاحب كتاب تحرير العلم من الأوهام.

وحتى ريتشارد دوكنز قرر نحواً من هذا المعنى في كتابه “الجين الأناني” وفي مناظرته مع ديباك شوبرا أشار لهذا المعنى، حتى سخر منه الأخير فقال: إذن لماذا نحن هنا؟ يعني: ما دمنا لا توجد عندنا إرادة حرة لماذا نتناقش؟

وكأي فكرة سوفسطائية تستخدم بشكل انتقائي، فتراهم مثلاً يقولون: الشذوذ جيني، والواقع أنه وفقاً لقواعدهم لا يوجد شيء يخرج عن الجينات، ولهذا اعترف دوكنز في كتابه “العلم وحقيقته” أن المثلية حتى لو كانت جينية فلن تكون حتمية، وعليه فهناك عوامل أخرى مؤثرة.

فكرة أن الإدمان مجرد مرض اضطراري لا يعالج بالإرشاد والتنبيه والوعظ، لا تختلف عن فكرة الشذوذ جيني ولذا لا ينبغي عقوبته.

علماً أن كلامهم في السياقات الغربية عن إدمان المخدرات غالباً ما يقرنونه بأن العقوبة ليست نافعة، ولا يتكلمون عن الوعظ لأنه شكل من أشكال الإرشاد السلوكي، غير أن كثيراً من هؤلاء يرون الوعظ (تأنبياً) ولا يدركون ما فيه من شفقة، لهذا فكرتهم عنه سلبية.

لا ننكر أن الحاسد أو المريض قد يأتي بثوب الواعظ، ولكن هذا لا يلغي الانتفاع بالأمر بالكلية.

غير أن المرضى بداء الكبر يعتبرون كل وعظ تأنبياً مجرداً، لهذا يجعلونه ضمن (العقوبات) ذهنياً، وهذه من المشاكل التي فشت في الجيل الحديث، وهذا من آثار ابتعاد الآباء عن التربية، فإن التأنيب العاقل المقرون بشفقة خفية تكون في الآباء، ولعل هذا من أسباب ظاهرة (إلحاد فاقد الأب) والتي كُتِبت فيها بعض الكتب.

=
ومن أخطر الأمور على جيل الشباب تعزيز فكرة (الضحية) فيهم، فإن كثيراً منهم يجد في هذه الفكرة باباً للتصالح مع نفسه بعد نفرة طويلة منها، بسبب لومه لنفسه أنه لم يحقق كبير شيء أو لم يحقق الحلم الرأسمالي الكبير أو النجاح -بمفهومه المنتشر في مواقع التواصل.

فكرة الضحية قد تتحول إلى إدمان من نوع آخر، لئلا يواجه المرء نفسه.

ولذلك الميل للتخنث الذي يسمونه مثلية هو هروب من دور (المسؤولية) إلى دور (الضحية).

الوعظ في كثير من الأحيان يعالج الفكرة من جذورها، قد يعطي المرء حافزاً للإنجاز وتحقيق رضا الله عز وجل ويذكّر بالغاية من الخلق.

والشعور بالذنب ليس خللاً إلا عند البهائميين الذين لا يرجون حساباً، ففي الشرع يوجد رغبة ورهبة، ورحمة الله سبقت غضبه، والله يغفر للعبد ما تاب واستغفر، كل ذلك يزرع أملاً وقوة، كيف يمكن أن ينكر أثره؟

جاء في كتاب «الأوراق» في أخبار الشعراء للصولي: “أمر أبي القاسم يوسف بن القاسم قال أبو بكر: حدّثني عون بن محمد الكندي، قال: حدّثني أحمد ابن يوسف عن أبيه، قال: لما قدم أبي بغداد قصده إخوانه [ودعوه] فلزم الشراب معهم والسماع، فقالت له أمه: يا بني قد ترى كثرتنا وما يلزمك من نفقتنا، وان أدمت الشراب أضعتنا وأفقرتنا مع شينه لك في دنياك، وتزويده لك الوزر إلى أخراك. فقال: حسبك! والله لا ولج لي رأسا أبدا، فما شرب حتى مات”.

هذه الحادثة فيها مثال على اجتماع الوعظ بالشفقة وأثر ذلك على النفوس، وقصة أبي محجن في توبته من شرب الخمر بعد إدمانه لأجل إحسان سعد له مشهورة.

وبقي التنبيه على أن الفتيا التي ظهرت مؤخراً في أن من ترك الصلاة لأجل الاكتئاب لا يلزمه القضاء، فيها نظر وهي متفرعة عن هذه النظرة الجبرية، واعتبار المرض النفسي مُلغياً لحرية الإرادة دون ضابط واضح لذلك، وما زال الناس على مر الزمان تقع لهم الملمات ويفزعون للصلاة {واستعينوا بالصبر والصلاة}، ولكن النفساني الذي أوحي بالفكرة هو أوحى للمريض بأن الصلاة تكليف مجرد، كالدراسة، وليس اتصالاً بالذي خلقك سبحانه، بل يرى لك ضرورة أن تراجعه هو وتشكو له همك، ولا تفعل ذلك في صلاتك، هذه النظرة المشوهة للصلاة لا تختلف عن تلك النظرة المشوهة للوعظ.

وقد وصف الله عز وجل كتابه أنه شفاء لما في الصدور، ومن ذلك ذكر الجنة والنار ورضا الله وغضبه.