حيلة إبليس التي خدع بها كثيراً من الزهاد والوعظ!

في

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

قال ابن القيم في «إعلام الموقعين» [2/120]: “وعلى الحاكم من عبودية إقامة الحق وتنفيذه وإلزامه ممن هو عليه به والصبر على ذلك والجهاد عليه ما ليس على المفتي. وعلى الغني من عبودية أداء الحقوق التي في ماله ما ليس على الفقير، وعلى القادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيده ولسانه ما ليس على العاجز عنهما.
وتكلم يحيى بن معاذ الرازي يوما في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقالت له امرأة: هذا واجب قد وضع عنا، فقال: هبي أنه قد وضع عنكن سلاح اليد واللسان، فلم يوضع عنكن سلاح القلب، فقالت: صدقت جزاك الله خيرا.
وقد غر إبليس أكثر الخلق بأن حسن لهم القيام بنوع من الذكر والقراءة والصلاة والصيام والزهد في الدنيا والانقطاع، وعطلوا هذه العبوديات، فلم يحدثوا قلوبهم بالقيام بها، وهؤلاء عند ورثة الأنبياء من أقل الناس دينا؛ فإن الدين هو القيام لله بما أمر به، فتارك حقوق الله التي تجب عليه أسوأ حالا عند الله ورسوله من مرتكب المعاصي؛ فإن ترك الأمر أعظم من ارتكاب النهي من أكثر من ثلاثين وجها ذكرها شيخنا – رحمه الله – في بعض تصانيفه؛ ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله -صلى الله عليه وسلم- وبما كان عليه هو وأصحابه رأي أن أكثر من يشار إليهم بالدين هم أقل الناس دينا، والله المستعان، وأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك وحدوده تضاع ودينه يترك وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرغب عنها وهو بارد القلب ساكت اللسان؟ شيطان أخرس، كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق، وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياساتهم فلا مبالاة بما جرى على الدين؟”.

أقول: كلام ابن القيم هذا نفيس غاية، وفيه موعظة لمن يتركون النهي عن الشركيات والبدع مع نشاط أهلها، ويرون ذلك من الفضول أو الاستقطابات أو الشجارات التي ينبغي أن يتنزه عنها العقلاء، فلا يفرقون بين المعارك بين أهل السنة وأهل البدع ونزاعات مشجعي كرة القدم!

ولا شك في فضل الذكر والصلاة والصيام والزكاة ونحوها، غير أن هذا لا يغني عن الأمر والنهي، وفيهما أعظم الغنيمة، إذ من دعا إلى هدى كان له أجره وأجر من تبعه عليه، وإن أعظم المعروف التوحيد والسنة، وأعظم المنكر الشرك والبدعة.

وتأمل ما روى البخاري: “525- حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن الأعمش، قال: حدثني شقيق، قال: سمعت حذيفة، قال: كنا جلوسا عند عمر رضي الله عنه، فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله ﷺ في الفتنة؟ قلت أنا كما قاله: قال: إنك عليه أو عليها لجريء، قلت: «فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، تكفرها الصلاة والصوم والصدقة، والأمر والنهي»”.

فجعل الأمر والنهي من مكفرات الذنوب، ليقطع بذلك الطريق على إبليس حين يقول للمرء: أنت صاحب ذنوب فكيف تأمر وتنهى؟

فيقال: الذنوب متفاوتة، وإنما ينهى عن الذنوب العظيمة من وقع في دونها ويستغفر الله مما وقع فيه.

وكثير من أهل الكلام ينهون عن دخول العامة في قضايا الاعتقاد لأنهم يعتقدون أن الاعتقاد الصحيح في الكلاميات العسيرة التي لا يفهمها العوام، وحين يتكلمون عن (إيمان المقلد) يريدون به من لا يعرف الأدلة الكلامية.

وأما أهل السنة فيعتقدون العقيدة التي في ظواهر النصوص والتي توافق الفطرة، فلا فتنة على الناس منها، ولذلك سأل النبي ﷺ جارية: «أين الله».

وليس معنى هذا التهاون في الذنوب، بل المرء يستغفر الله وينكر ويحتسب بحسبه.

وطلاب العلم ومن رزقهم الله علماًَ وفهماً يجب عليهم من الأمر والنهي، ما لا يجب على غيرهم ممن لم يعرف ما عرفوه.