هل انفرد ابن تيمية بتحريم دعاء الله عند قبور الصالحين

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

لماذا أورد ابن أبي شيبة هذه الآثار في باب النهي عن الصلاة عند قبر النبي ﷺ؟ (هل انفرد ابن تيمية بتحريم دعاء الله عند قبور الصالحين؟)

يزعم بعض الناس أن أول من نهى عن قصد قبور الصالحين لدعاء الله عندها وتبعه السلفيون في ذلك هو ابن تيمية، وأما دعاء المقبورين من دون الله فلا يشك منصف أنه شرك، وزعم بعضهم أن شد الرحال للقبور لهذا الداعي لا ينهى عنه أو هو مسألة خلافية لا تدخل في العقيدة.

ويأتون لتوكيد قصدهم بروايات متفرقة من كتب التواريخ، ممن لا يُحتج بقوله أو عرف بانحراف أو عالم زل، ويزعمون أن لا مخالف لهم.

قال ابن أبي شيبة في «المصنف»: “في الصلاة عند قبر النبي ﷺ وإتيانه”.

تأمل التبويب، قال: “الصلاة عند قبر النبي ﷺ وإتيانه”، يعني: إتيانه للدعاء وغيره وتكرار ذلك. ويدل على تفسيري هذا الآثار التي أوردها.

ثم روى بسنده عن علي بن الحسين: “أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو، فدعاه فقال: ألا أحدثك بحديث سمعته من أبي، عن جدي، عن رسول الله ﷺ؟ قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم»”.

فهذا الأثر صريح في إنكار دعاء الله عند قبر النبي ﷺ بتكرار العود عليه لأجل ذلك، ففي الأثر “فيدخل فيها فيدعو” وفيه تفسير حديث: «لا تجعلوا قبري عيداً».

وما لم يثبت لقبر النبي ﷺ لا يثبت لغيره.

ثم روى بإسناده عن سهيل بن حسين بن حسن، قال: “قال رسول الله ﷺ: «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني»”.

وأراد ابن أبي شيبة من إيراد هذا الخبر أن يقول إن لفظة: «وصلوا علي حيثما شئتم» فيها إشارة إلى النهي عن التردد على القبر، والصلاة والدعاء بابهما واحد.

ثم روى بإسناده عن زيد بن أسلم قال: “قال رسول الله ﷺ: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يصلى له، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»”.

يريد ابن أبي شيبة من هذا أن كثرة الترداد والصلاة عند القبر يحيله إلى وثن يُعبد فيما بعد، وقد صار هذا في كثير من قبور الصالحين والطالحين ولا حول ولا قوة إلا بالله، وتأمل أنه أدخل الصلاة عند قبر النبي ﷺ وتحري ذلك من جعل قبره مسجداً، ولم يشترط أن يسجد على القبر حتى يدخل في النهي كما زعم بعضهم.

ثم روى بإسناده عن نافع، قال: بلغ عمر بن الخطاب أن ناسا يأتون الشجرة التي بويع تحتها، قال: «فأمر بها فقطعت»

هذا الأثر لو تأملت إيراد ابن أبي شيبة له، لعلمت أنه سلف ابن تيمية بلا مواربة، فالأثر ليس فيه ذكر قبر النبي ﷺ ولكن قوماً صاروا يترددون عند شجرة الرضوان إما للدعاء وإما للتبرك فقطعها عمر، فيا ليت شعري ما الفرق بينها وبين قبور الصالحين؟ ابن أبي شيبة يقول: كما أنه لم يجز التردد على شجرة الرضوان للدعاء عندها أو تخصيصها بعبادة، فكذلك قبر النبي ﷺ.

ثم أورد عدة آثار في لعن من اتخذ قبور الأنبياء مساجد، ثم روى بسنده عن المعرور بن سويد قال: “خرجنا مع عمر في حجة حجها، فقرأ بنا في الفجر: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولإيلاف قريش، فلما قضى حجه ورجع والناس يبتدرون فقال: «ما هذا؟» فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ، فقال: «هكذا هلك أهل الكتاب، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل»”.

وهذا صحيح عن عمر، وهو حجة قاطعة، فإذا كان الناس يترددون على مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فكره ذلك فما بالك بالتردد على قبر صالح؟! وابن أبي شيبة قاس النهيَ عن التردد على قبر رسول الله ﷺ لأجل الدعاء الوارد في أول الباب على نهي عمر عن التردد على مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ وهذا قياس متين.

وكذلك ابن وضاح في «كتاب البدع» علق على أثر عمر بالنهي عن إتيان مساجد الأنبياء والتردد عليها وشد الرحل، فضلاً عن قبور الصالحين.

وأما شد الرحال فقد ذكر ابن بطة تلك المسألة في إبانته الصغرى، فدل على أنه يعدها عقيدة.

وقال الخطيب في تاريخه: “أخبرنا القاضي أبو محمد الحسن بن الحسين بن محمد بن رامين الإستراباذي، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، قال: سمعت الحسن بن إبراهيم أبا علي الخلال، يقول: ما همني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر، فتوسلت به إلا سهل الله تعالى لي ما أحب”.

شيخ الخطيب صوفي أشعري، والقطيعي اختلط بآخره والناس يروون عنه كتب أحمد التي لا يضرها اختلاطه، والخلال هذا ليس هو الخلال صاحب «السنة»، وإنما رجل مجهول الحال مترجم في «تاريخ بغداد» بلا جرح وتعديل، وليس هو الحلواني، فإن القطيعي ما أدركه، ولو صح عن الخلال المعروف أو الحلواني لما كان في قولهم حجة، وقد رأيت صنيع ابن أبي شيبة وهو شيخ البخاري ومسلم بل عامة الستة إلا الترمذي.