هل الخلاف العقدي مساحة آمنة؟ تفكيك خطاب التهوين وموقف العلماء

في

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

اعتاد أصحاب هذا الطرح أن يصفوا من يتكلم في هذه القضايا بأنه واقف في المساحة الآمنة.

وأي مساحة آمنة آمن من هروبك من أرض المعركة فإذا كانت لك عقيدة في الصفات فأنت تعتقد أن ما خلافها باطل ومنكر فكيف لا تنكر المنكر؟

وقال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: ٥٩].

فإما أن تكون الأمة ردت لله ورسوله واستبان الحق في هذه القضايا وبقي يقابله معاند وجاهل وإما لم ترد، وكيف تجمع الأمة على ترك أمر الله ورسوله؟

وقول الأئمة: “أمروها كما جاءت بلا كيف” ليس معناه أنك لا تنكر على من لم يمرها كما جاءت، فإذا قيل لك: اسكت عما شجر بين الصحابة فليس هذا معناه أنك لا ترد على الرافضي الذي لا يسكت!

ولذلك هؤلاء الأئمة عظموا هذه المسائل حتى نالوا من الخصوم أشد النيل.

جاء في الفروع لابن مفلح [10/191]: “ولا يكفر من حكى كفرا سمعه ولا يعتقده ولعل هذا “ع” -يعني إجماع- وروى ابن عساكر في ترجمة محمد بن سعيد بن هناد سمعت يحيى بن خلف بن الربيع الطرسوسي قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس وأنا شاهد فقال: ما بقول في رجل يقول: القرآن مخلوق؟ فقال: كافر زنديق خذوه فاقتلوه. فقال الرجل: إنما أحكي كلاما سمعته فقال: إنما سمعته منك”.

والأثر في مسائل حرب، وهو صحيح، وقد غلط من ضعفه، كما شرحته في صوتية العالم الموازي.

وقال ابن المقرئ في معجمه: “291- حدثنا محمد، حدثنا أحمد بن الخليل، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق قال: قلت لابن المبارك: كيف نعرف ربنا؟ قال: فوق السماء السابعة، على عرشه، ولا نقول: هاهنا، كما تقول الجهمية، وأومأ عبد الله بيده لا تقل: هاهنا”.

وهذا صحيح عن ابن المبارك، وذكرت هذين لأنه ذكرهما.

والفلسفة هي كلام أهل الكلام، غير أن الحركيين -كما شرحته في دردشة حول مدرسة المنار- يجعلون الجميع المتكلم والسني أهل كلام وفلسفة، وعلة ذلك أن الناس في التدين على ثلاثة أصناف.

الصنف الأول: من دخل في السلم كافة، مسائل الغيب ومسائل العمل، وحرص على كل ما ينفعه في آخرته.

الصنف الثاني: من تعلق بالخرافة وأكلت قلبه، كالمتعلقين بالأضرحة لقضاء الحوائج، ومن يؤمن بهرمجدون أو التمهيد للمهدي على طريقة الرافضة.

الصنف الثالث: من يتعامل مع الدين تعاملاً مصلحياً، فيأخذ من الدين المسائل التي فيها نفع سياسي واقتصادي واجتماعي وكل المنافع الحاضرة، ويستصغر ويحتقر كل مسألة لا تعلق لها بما يعظمه من مسائل الدنيا التي يشترك هو واللاديني في تعظيم جنسها.

ولا يبحث في هذه المسائل: هل تفيد في الآخرة أم لا؟ لأن تعلقه النفسي بهذه الدنيا فحسب، وإن أظهر الإيمان بالآخرة، فأثر ذلك عليه ضعيف، وربما أقنع نفسه أن هذه المسائل لا فائدة منها متهماً الأمة على مدى قرون بالسفه والجهل، ومتهماً الوحي بعدم الوضوح في مواطن النزاع.

وكما قلت مراراً: النبي -صلى الله عليه وسلم- امتحن جارية بقوله: أين الله؟

وإذا أراد اللاديني أن يظهر التدين نفاقاً فأنسب طريق له طريقة الصنف الثالث، ولا أقول إنهم لا دينيون ولكن أقول: طريقتهم تناسب اللا ديني الذي يريد أن يتخذ الدين طريقاً لتحقيق أهدافه فحسب.