لهم سنوات وهم يحذرون من مخاطبة العوام بهذه الأمور

في

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

لهم سنوات وهم يحذرون من مخاطبة العوام بهذه الأمور، ثم الآن علي جمعة بعدما أحل ما تيسر من المحرمات، خرج يعلم الناس التجهم.

لا يرهبك قوله: “تجسيم” فإن التجسيم عندهم إثبات وجود حقيقي لله عز وجل.

فالله وجوده ذهني فقط، ولذلك لا وجه له ولا يد، يعني دعاء «أسألك لذة النظر إلى وجهك»، لا معنى له، لأننا لن نرى شيئاً، فالله لا يُرى له وجه، ولا يُقترب منه ولا يقترب من عباده.

وهذه صفة العدم.

وهذا الاعتقاد هو سبب رقة أديانهم، وميلهم للزنادقة.

وقال الترمذي في جامعه: “وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا، ويؤمن بها ولا يتوهم، ولا يقال: كيف؟

هكذا روي عن مالك، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف. وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه.

وقد ذكر الله في غير موضع من كتابه: اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد ها هنا القوة.

وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد أو مثل يد، أو سمع كسمع أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع أو مثل سمع، فهذا التشبيه.

وأما إذا قال كما قال الله تعالى: يد وسمع وبصر، ولا يقول كيف ولا يقول مثل سمع ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيها،وهو كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]”.

أقول: فتأمل كيف أن الترمذي ذكر أن هذا الكلام الذي يقوله علي جمعة هو كلام الجهمية.

فيكون {لما خلقت بيدي} معناها: (لما خلقت بكرمي) وما الفرق بين آدم وإبليس فكلهم خُلقوا بكرم الله ومنه؟

قال ابن خزيمة في «التوحيد»: “إذ لو كان الله خلق آدم بأيد كخلقه السماء، دون أن يكون الله خص خلق آدم بيديه لما قال لإبليس: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ولا شك ولا ريب أن الله عز وجل قد خلق إبليس عليه لعنة الله أيضا بقوته، أي إذا كان قويا على خلقه، فما معنى قوله: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي}، عند هؤلاء المعطلة، والبعوض والنمل وكل مخلوق فالله خلقهم عنده بأيد وقوة”.