رأيت مقطعاً لخبير توظيف ينصح الموظفين أن يوثقوا إنجازاتهم حتى يحصلوا على التقدير اللازم من الإدارة، وأن الموظف الذي يعمل بصمت يذهب حقه.
وأن الإدارة لا تلام في عدم ملاحظتها إنجازاتك إذا لم تشر إليها، وأن كثيراً من الموظفين أذكياء فيعملون قليلاً ولكن يوثقون فعلهم.
ذكرني ذلك بموقف لي لما كنت موظفاً جاءني رجل فاضل محب وطلب مني أن أوثق ما أفعله، لأنني وزملائي كنا نعمل كثيراً ولا نحظى بتقدير كاف، وهذا الضرب من الظلم يقع كثيراً.العدل
هذا في التعامل مع البشر ولكن في التعامل مع الله تبارك وتعالى الأمر آخر تماماً، فرب العالمين يعلم السر وأخفى.
قال تعالى: {وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى} [طه ٧]، هذه الآية عادة تذكر في سياق الترهيب، غير أن فيها ترغيباً عظيماً.
أن المرء لن تضيع حسناته مهما خفيت، وكذلك آلامه محسوبة، حتى الشوكة يشاكها في قدمه، فالمرء أحياناً حتى والداه لا يعلمون بما يصيبه من الحزن والهم والألم، ولكن الله يعلم به ويثيب عليه.
قال البخاري في صحيحه: “5640- حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي ﷺ، قالت: قال رسول الله ﷺ: «ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه، حتى الشوكة يشاكها»” وهو في صحيح مسلم.
قال ابن أبي الدنيا في «التوبة»: “170- حدثنا مجاهد بن موسى، ثنا إسماعيل بن علية، عن ليث، عن الحكم، قال: «إذا كثرت ذنوب العبد، ولم يكن له من العمل ما يكفرها عنه، ابتلاه الله بالحزن ليكفرها عنه»”.
بل كلما كان العمل أعظم إسراراً، كان أرجى للقبول.
وكثيراً لما يتكلم الناس عن العدل الإلهي يذكرون معاقبة المجرمين، غير أن هذا المعنى أعمق وهو العدل في مجازاة المحسن.
وأما أهل الدنيا فحتى لو لاحظوا الإنجاز، فإنما يلاحظون آخره فحسب، وغالباً لا يذكرون القديم منه، والبشر مثلك قلما تسلم من حسده أو ظلمه، وذلك إن كان متديناً حقاً.