قصة الشيخ فى القطار

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

القصة هذه أشعلت مواقع التواصل الأيام الماضية وما كان لي نية أن أعلق عليها، لأن كلام الناس فيها كثر حتى لم يبق متسع لكبير شيء، غير أنني في يوم الجمعة أردت استذكار أمر من حياة النبي ﷺ.

خلاصة الأمر أن شيخاً يجلس في المترو يسأل الناس أسئلة، ويوزع عليهم جوائز رمزية، ويحدثهم بحديث نافع، مع ابتسامة ظاهرة، قام من مكانه وأعطى لشاب سواكاً، فهذا الشاب رده، وقال: أحتاج سدادات أذن (يشير لانزعاجه من حديث الشيخ).

غالب الناس استقبحوا تصرف الشاب ورأوه خروجاً عن حد الأدب مع رجل أكبر منك سناً وقام من مكانه وأهداك (وهو كذلك).

ورب ضرة نافعة، اشتهر الرجل وكثر الحديث عن نشاطه، وأظهر كثيرون تضايقهم منه وأيده كثيرون وعللوا بأن وجود (فعاليات) في وسائل التواصل أمر مشهور في الغرب ولا أحد يعترض عليه (هكذا دائماً يُستدل على هؤلاء لأن فعل الغربي حجة عندهم) إلى هنا لا يوجد كبير شيء يزاد.

غير أنني تذكرت قصة في السيرة النبوية، وهي “أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حمارا عليه إكاف تحته قطيفة فدكية، وأردف وراءه أسامة وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج، وذاك قبل وقعة بدر، حتى مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين، والمشركين عبدة الأوثان، واليهود، فيهم عبد الله بن أبي، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم وقف، فنزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء، لا أحسن من هذا إن كان ما تقول حقا، فلا تؤذنا في مجالسنا وارجع إلى رحلك، فمن جاءك منا فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة: اغشنا في مجالسنا فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم حتى سكتوا”، وللخبر تتمة، وهو في الصحيحين واللفظ لمسلم.

في الخبر أن ابن أُبي المنافق أظهر استثقال وعظ النبي ﷺ، وأراد أذيته بإظهار ذلك وقال له: اجلس في بيتك فمن جاءك فحدثه (ولا تؤذنا في مجالسنا) وقد علم أن النبي ﷺ رجل حيي، فرد عليه الصحابة بأنهم يحبون ذلك، وفي تتمة القصة يذكر سعد بن عبادة للنبي ﷺ أن ابن أُبي فعل ذلك من باب الحسد، لأن النبي ﷺ أخذ رياسته.

لا أريد رمي أحد بالنفاق، غير أنني أود التذكير بما لقي النبي ﷺ، ولاحظ أن المنافق كان في كلامه مكر ودهاء، فأظهر الثناء على كلام النبي ﷺ مع إظهاره الاسثقال، وليت صاحب القصة المعاصرة تعلم شيئاً من هذه المجاملة.

وتبادل الحديث عند قطع الطريق والسفر مما اعتاده الناس، فالمنافقون لما قالوا كلمة الكفر تعللوا بقولهم: نقطع به عناء الطريق.

فلا يظهر لي قياس المترو على مجالس السمر التي نهى بعض السلف أن يغشى الواعظ الناس فيها، وذلك الزمان كان الناس مجالسهم على خير، أما اليوم فإلهاؤهم عن الشر عمل صالح.