
قال الله تعالى: {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} [التغابن ١٤]
وقال سبحانه: {ألا تحبون أن يغفر الله لكم} [النور ٢٢].
وقال النبي ﷺ: «وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عِزاً».
قد لا يخطر على بالك أن يستخدم حث الشارع على خلق العفو على أنه دليل على وجود الله والآخرة ونقض الداروينية.
هذا فيديو للملحد نيل ديغراس تايسون (المضيف الرئيسي، عالم فيزياء فلكية) يستضيف جيمس كيميل الابن (الضيف الخبير، محاضر في الطب النفسي بجامعة ييل ومؤلف في علم أعصاب الانتقام).
يتكلم جيمس عن العفو والمغفرة والمسامحة على أنها أداة شفاء ذاتي على مستوى الدماغ، لا باعتبارها أمرًا دينيًا/ أخلاقيًا فحسب (مع أن أحدهم يستحضر مثال قول المسيح: «اغفر لهم…» بوصفه نموذجاً مشهوراً).
بل يقول إن ذلك ثابت علمياً أن الدماغ يكافئ على العفو، حتى وإن كان داخلياً يعني أنت في نفسك تعفو عن شخص أساء لك ولم تتواصل معه كذلك تحصل على المكافأة!
يرفض المتحدث الفكرة الشائعة أن الغفران يعني تقديم شيءٍ للجاني.
ويؤكد أن علم الأعصاب يشير إلى أن المغفرة تفيد الضحية بالأساس، ولا يلزم إخبار الجاني بها للحصول على فوائدها.
ويركز على أن المغفرة تعطل شبكة الألم (ويذكر تحديداً القشرة الجزيرية الأمامية/ دوائر ألم “المرارة والشكوى” في الدماغ)، النتيجة: ينخفض ألم الضغينة بطريقة حقيقية لا مجرد تخدير مؤقت.
وأما الانتقام فإنه يعطي جرعة دوبامين ثم تنخفض، ويتطلب الأمر دوبامين آخر، وندخل في حلقة الدوبامين.
خلاصة أطروحته: أن الانتقام قد يعمل كـ“مكافأة” قصيرة المدى تشبه دورة الإدمان (متعة/ دفعة ثم رغبة متكررة)، وأن المغفرة يمكن أن تكون “مضاداً” أكثر شفاءً لأنها تقلل الألم وتكسر دورة التوق للانتقام.
ويقول إن مع كثرة الدراسات المؤيدة له المعارضة تضعف وتضعف.
وهناك مقال بعنوان:
The Power of Forgiveness, According to Neuroscience
هذا المقال يطرح الفكرة نفسها، والعجيب أن الكاتب -كوري ويبتستر طالب دكتوراة في علم الأعصاب- يقول: إن التفكير المستمر في الإساءة يشبه كونه فأرًا في قفص يضغط على ذراع ليحصل على شراب، إلا أنه بدلاً من أن يحصل على ماء السكر، يستمر في ابتلاع مادة سامة.
هذا يشبه إلى حد كبير قول ابن تيمية كما في «جامع المسائل»: “السابع: أن يَعلم أنه إذا اشتغلتْ نفسُه بالانتقام وطلب المقابلة ضاعَ عليه زمانُه، وتفرَّقَ عليه قلبُه، وفاتَه من مصالحِه مالا يُمَكِن استدراكُهُ، ولعلّ هذا أعظم عليه من المصيبة التي نالتْه من جهتهم، فإذا عفا وصَفحَ فَرغَ قلبُه وجسمُه لمصالحه التي هي أهمُّ عنده من الانتقام”.
وأيضاً قال الشيخ: “الرابع: أن يشهد أنه إذا عَفا وأحسنَ أورثَه ذلك من سلامةِ القلب لإخوانه، ونَقائِه من الغِشّ والغِلّ وطلبِ الانتقام وإرادةِ الشرّ، وحصَلَ له من حلاوة العفو ما يزيد لذّتَه ومنفعتَه عاجلاً وآجلاً، على المنفعة الحاصلة له بالانتقام أضعافًا مضاعفةً، ويدخل في قوله تعالى: {والله يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِين}، فيصير محبوبًا لله، ويصير حالُه حالَ من أُخِذَ منه درهمٌ فعُوضَ عليه ألوفًا من الدنانير، فحينئذٍ يَفرحُ بما منَّ الله عليه أعظمَ فرحًا يكون”.
وهذه خلاصة أطروحتهم ولكن بلغة أثرية، وهذه الأطروحة تشكل تماماً على دعوى أننا حيوانات متطورة جاءت من الغابة، فإذا كان الأمر كذلك فخلق العفو لا فائدة له في صراع البقاء، بل خلق الانتقام هو الذي له حضور قوي، لذلك يفسرون سلوك المختلين المائلين للعنف على أنه بقايا تطورية من حياتنا في الغابة! هذا مع إقرارهم أن البيئة تؤثر، بل كون الدماغ يكافئ حتى لو لم تتواصل مع الجاني هذا يدل على وجود فطرة في البشر، تعلم أن عفوك عن الناس أقرب لعفو الله عنك، لذا جسمك يكافئ على العفو ما لا يكافئ على الانتقام على أن البشر، لا يختلفون في أحقية تطبيق القصاص على الجاني، ولكن برتب مختلفة، وإن قالوا إن سبب هذا الإحساس الوعظ الديني هدموا ليبراليتهم التي تزعم أن الدين يعقد الحياة، فإذن الدماغ يكافئ المتدين على عامة سلوكياته المستقيمة، وهذا يجعله في سعادة مستمرة، على أن الأطروحة العلمية مبنية على أن هذا أصل أصيل في البشر لا علاقة له بالتلقين فحتى اللاديني يشعر بذلك.