
هنا علي جمعة الذي أتباعه دائماً يتحدثون عن الأدب وتعظيم الأولياء، حتى جعلوا الأمر باباً للشرك والابتداع في الدين ورد الأحاديث الصحيحة، يصف صحابياً جليلاً بالسفيه والسافل، لجرم وقع منه ولكنه تاب وتاب الله عليه.
علماً أن الرواية التي ذكرها عند النسائي في السنن الكبرى، ويرويها أسباط بن نصر وهو صدوق كثير الخطأ، عن السدي والسدي متشيع فيه كلام كثير، وقد أسندها عن مصعب بن سعد عن أبيه.
وقصة ابن أبي السرح بحثت في أسانيدها قديماً وظهر لي أن ليس فيها شيئاً قائماً إلا خبراً مرسلاً من مراسيل السيرة، والمرسل من قسم الضعيف ولكن يحتمل في السيرة ما لم يكن فيه نكارة.
وهنا بحثي في الأمر: روى ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده إلى أبي خلف الأعمى قال: “كان ابن أبي سرح يكتب للنبي ﷺ الوحي، فأتى أهل مكة فقالوا: يا ابن أبي السرح، كيف كتبت لابن أبي كبشة القرآن؟ قال: كنت أكتب كيف شئت فأنزل الله تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا”.
في سند هذا الخبر أبو خلف الأعمى كذاب متهم، وليس في هذه الرواية سوى أن ابن أبي السرح ادعى هذا الأمر مجرد دعوى.
ووصف بالافتراء، ولو كانت دعواه صحيحة لأمكن قريش وأمكنه هو معارضة النبي ﷺ والإتيان بمثل القرآن ولكان ذلك مغنياً لقريش عن حرب الأنصار ولكان فيه حجة لليهود والمنافقين والوثنيين.
ولكان مثبطاً للصحابة، إذ يشكون فلا يقفون ويجاهدون الناس ويثبتون ذلك الثبات.
روى ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عن السدي قال: “ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله. قال: نزلت في عبد الله بن سعد ابن أبي السرح القرشي، كان يكتب للنبي ﷺ قال: إن كان الله ينزله فقد أنزلت مثل ما أنزل الله، قال محمد: سميعا عليما فقلت أنا:
عليما حكيما”.
السدي شيعي معروف وروايته مرسلة، فهو لم يدرك الأمر، وكل ما في الرواية أن ابن أبي السرح ادعى أنه قال: (عليماً حكيماً) من عنده.
وقال الطبري في تفسيره: “13555- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قوله: “ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء”، قال: نزلت في مسيلمة أخي بني عدي بن حنيفة، فيما كان يسجع ويتكهن به = “ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله” نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أخي بني عامر بن لؤي، كان كتب للنبي ﷺ وكان فيما يملي “عزيز حكيم”، فيكتب “غفور رحيم” فيغيره، ثم يقرأ عليه “كذا وكذا” لما حول، فيقول: “نعم، سواء” فرجع عن الإسلام ولحق بقريش وقال لهم: لقد كان ينزل عليه “عزيز حكيم” فأحوله، ثم أقرأ ما كتبت، فيقول: “نعم سواء”! ثم رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة”.
قال عبد الله بن أحمد في العلل (٣٦١٠): “قال أبي: رأيت سنيدا عند حجاج بن محمد، وهو يسمع منه كتاب الجامع يعني لابن جريج، فكان في الكتاب: ابن جريج، قال: أخبرت عن يحيى بن سعيد، وأخبرت عن الزهري، وأخبرت عن صفوان بن سليم، فجعل سنيد يقول لحجاج: قل: يا أبا محمد؛ ابن جريج، عن الزهري، وابن جريج، عن يحيى بن سعيد، وابن جريج، عن صفوان بن سليم، فكان يقول له هكذا، ولم يحمده أبي فيما رآه يصنع بحجاج، وذمه على ذلك. قال أبي: وبعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذها، يعني قوله: أخبرت، وحدثت عن فلان”.
سنيد هو الحسين الذي هنا.
وهناك رواية للكلبي الكذاب.
والخلاصة أن الرواية التي فيها أن النبي ﷺ كان يقره على التغيير رواية موضوعة، والروايات الأخرى الأحسن حالاً فيها أنه ادعى هذا فحسب.
وأما رواية السدي وأيضاً ما رُوي أن النبي ﷺ طلبه يوم الفتح، فهذا كله من طريق السدي، والسدي اختلف فيه والراوي عنه أسباط بن نصر صدوق كثير الخطأ، والسدي يتشيع وابن أبي السرح قريب عثمان.
على أن طلب النبي ﷺ له يوم الفتح قد يكون سببه دعواه تلك الكاذبة.
وقال الواحدي في تفسيره: “حدثني محمد بن يعقوب الأموي قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال: حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال: حدثني شرحبيل بن سعد قال: نزلت في عبد الله بن سعد بن سرح قال: سأنزل مثل ما أنزل الله، وارتد عن الإسلام، فلما دخل رسول الله ﷺ مكة فر إلى عثمان وكان أخاه من الرضاعة فغيبه عنده، حتى إذا اطمأن أهل مكة أتى به عثمان رسول الله ﷺ فاستأمن له”.
وهذه هي الرواية الأقوى، وليس فيها إقرار النبي ﷺ على التبديل، وهي مرسلة.
وعامة الروايات في شأنه في أسانيدها شيعة، وهو من شيعة عثمان، فالتهمة موجودة.
وعجباً لعلي جمعة وشيعته يضعفون الأخبار في أبوي النبي ﷺ ثم تراهم يتجرأون على سب الصحابة بأخبار كهذه!
ولا عجب، فشيخه عبد الله الغماري الذي تلقى عنه الطريقة الشاذلية كان ممن يقع في معاوية، وقال في كتابه الفوائد المقصودة: إنه لا يقبل حديث أبي هريرة فيما يخالف القياس!