
ترى كثيرين يقولون: ما الفائدة من هذا البحث؟ ثم بعدها يرمون لك بمجموعة من الاستدلالات والشبهات العجيبة.
إن كنت تريد الخوض في المسألة فخض بشجاعة ولا داعي لاستخدام هذا الأسلوب.
هذا الشخص يفهم كما يفهم الشيعة أن آباء النبي -صلى الله عليه وسلم- كانوا كلهم موحدين، ولو أخذنا على فهمه لكان كل آباء النبي -صلى الله عليه وسلم- أنبياء!
وهذا لا يقول به أحد، فلا نبي بينه وبين عيسى عليهما الصلاة والسلام، ويكون القصد من الأثر أن في أجداده أنبياء وإن لم يكونوا كلهم كذلك، وعليه تكون صفة آبائه مسكوتاً عنها.
علماً أن هذا الأثر ضعيف، وقريب من المنكر.
قال الطبراني في «المعجم الكبير»: “12021- حدثنا أبو مسلم الكشي، ثنا أبو عاصم، أنا شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس، {وتقلبك في الساجدين} [الشعراء: 219] قال: «من نبي إلى نبي حتى أخرجت نبيا»”.
وشبيب ليّنه أبو حاتم ووثّقه ابن معين، لذا اختار ابن حجر أنه صدوق يخطئ، ولكن البخاري قال عنه: “منكر الحديث” كما في علل الترمذي، وهذا جرح شديد، وأبو حاتم استنكر عليه حديثاً في العلل.
وقالت اللجنة المحققة لمسند أحمد بإشراف شعيب الأرناؤوط: “وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره في تفسير الآية (216) من سورة البقرة من طريق شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء). قال ابن عباس: نفقة الحج والجهاد سواء، الدرهم سبع مئة، لأنه في سبيل الله. قلنا: وهذا إسناد ضعيف من أجل شبيب بن بشر البجلي، فهو ضعيف”.
وقال ابن كثير في تفسيره: “وقد روى ابن جرير هاهنا أثرا غريبا عجيبا، من حديث شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما خلق الله الملائكة قال: إني خالق بشرا من طين، فإذا سويته فاسجدوا له. قالوا: لا نفعل. فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة فقال لهم مثل ذلك، فقالوا: لا نفعل. فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم. ثم خلق ملائكة أخرى فقال: إني خالق بشرا من طين، فإذا أنا خلقته فاسجدوا له فأبوا، فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم. ثم خلق ملائكة فقال: إني خالق بشرا من طين، فإذا أنا خلقته فاسجدوا له قالوا سمعنا وأطعنا، إلا إبليس كان من الكافرين الأولين.
وفي ثبوت هذا عنه بعد، والظاهر أنه إسرائيلي”.
وقال الطبري في تفسيره: “حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، قال: سمعت أبي وعلي بن بذيمة يحدثان عن عكرمة في قوله: (يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين) قال: قيامه وركوعه وسجوده.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال عكرمة، في قوله: (وتقلبك في الساجدين) قال: قائما وساجدا وراكعا وجالسا”.
وقال أيضاً: “حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني عطاء الخراساني عن ابن عباس، قال: (وتقلبك في الساجدين) قال: يراك وأنت مع الساجدين تقلب وتقوم وتقعد معهم”.
وهذه تفاسير ابن عباس وعكرمة تخالف هذه الرواية الغريبة، ولهذا استظهر عبد الرحمن الوكيل نكارتها في تعليقه على «الروض الأنف».
وللخبر طريق آخر فيه سعدان بن الوليد مجهول عين، ما روى عنه إلا واحد ولا يعرف بجرح ولا تعديل، علماً أنه لو صح فلا يصلح حجة في الباب لما قلته من أن ظاهره لا قائل به.
يتكلم كثيرون عن الأدب مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وهل من الأدب تكذيب أخباره؟
وهل من الأدب ادعاء أن أهل الفترة كلهم بالجنة فتصير دعوته لعنة لا رحمة؟
وهل من الأدب دعوى أنه تكلم بما لا فائدة فيه ولا طائل تحته؟
وهل من الأدب الحكم بلعن من صدّق أخباره ودعوى أنه مؤذٍ له؟
وهل من الأدب مكابرة النصوص الشرعية في أن قريشاً كانوا أهل شرك ويستندون بالشرك إلى اتباع الآباء، فنزعم أنه لم تخل طبقة من طبقاتهم من موحدين في بيت ساداتهم؟ هذه لو طرحها نصراني كشبهة لضحك الناس منه.
وهل من الأدب تكذيب الأحاديث الصحيحة التي فيها «أنا على ملة عبد المطلب» عن أبي طالب والآيات الواردة في والد إبراهيم، وتأويلها بأنه عمه مع مخالفة ذلك للسنة والإجماع؟
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة: «يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب، إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم، ما تحت رجليك؟ فينظر، فإذا هو بذيخ ملتطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار».
وكل شراح الحديث يقولون إن هذا المسخ يقع لتنفر نفس إبراهيم من أبيه، ويقع الفصل التام بين أهل الجنة وأهل النار.