تعقب لمن قال المرأة تتولي القضاء على الاطلاق

في

,

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

هذا الإطلاق الذي أطلقه الدكتور ما قال به فقيه قط.

وإنما نُسِب لأبي حنيفة أن ولايتها تصح فيما تصح شهادتها فيه، مع كونها لا يجوز أن تكون والية ولكنها إن وليت وقضت بالشرع في قضايا الأموال فقط (التي تصح شهادتها فيها) صحت.

يعني لو قضت في نحو من تلك القضية التي عُرِضت على النبي صلى الله عليه وسلم: “في امرأتين من هُذَيْل اقتتلتا، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فأصاب بطنها وهي حامل، فقتلت ولدها الذي في بطنها”.

فهذه وإن كانت قضية بين امرأتين إلا أنها ليست من قضايا الأموال، فيصح قضاؤها على مذهب الحنفية إن قضت بالشرع مع إثم من ولاها.

قال ابن قدامة في «المغني»: “وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكون قاضية في غيرِ الحدود؛ لأنه يجوز أن تكون شاهدة فيه”.

وقال ابن رشد في «بداية المجتهد ونهاية المقتصد»: “وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكونَ المرأة قاضية في الأموال”.

ونص ابن رشد أدق، لأن غير الحدود أعم من الأموال، فعموم الجنايات عندهم يمنع قضاؤها فيه ولا يصح.

ونص الحنفية على عدم جواز توليتها حتى في الأموال ولكنهم رأوا الصحة، بمعنى نفاذ الحكم مع الإثم، هذا يشبه عندهم أن تصلي في أرض مغصوبة فصلاتك تصح ولكن مع الإثم.

قال في «مجمع الأنهر» من كتب الحنفية: “ويجوز قضاء المرأة في جميع الحقوق؛ لكونها من أهل الشهادة، لكن أثم المولي لها؛ للحديث: (لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة)”.

وقال ابن الهمام الحنفي في «فتح القدير» في الرد على استدلال الجمهور بحديث: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) على عدم جواز قضائها وعدم نفاذ حكمها: “والجواب: أن غاية ما يفيده منع أن تستقضى وعدم حله، والكلام فيما لو وليت وأثم المقلد بتوليتها، أو حكمها خصمان فقضت قضاء موافقا لدين الله: أكان ينفذ أم لا؟”.

والحق في مذهب الجمهور، فقياس الشهادة على القضاء فاسد، فالقاضي واحد ينفذ حكمه والشاهد لا بد معه من آخر، والشهادة نقل والقضاء حكم ونظر وفقه.

والخلاصة أن قول الدكتور ما قال به أحد قط، فكلهم يرى عدم الجواز، وقال الحنفية بالصحة في قضايا الأموال فقط مع الإثم ولم يطلقوه إطلاق الدكتور.

والمنع يتأكد في زماننا إذ الأمر مجرد خطوة لمحاكاة الغرب بالكلية، ثم نجد المتبرجات يحكمن في كل باب.

وحين ندّعي أننا نحكم بالشرع ونريد تقنين القضاء فعلينا الالتزام بأحكام المذهب أو المذاهب المشهورة.

وقد صدر حديثا كتاب بعنوان «الخطأ في فهم القول الأصولي» تكلم فيه عن الخطأ في فهم قول أبي حنيفة في المسألة، والكتاب بتقديم الدكتور صالح بن عبد الله بن حميد.

وأما المحكي عن الطبري فلا يصح البتة وقد أنكر صحته غير واحد .