قال ابن تيمية في «الجواب الصحيح» [1/ 358- 359]: “وقال تعالى: {فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين} [الشعراء: 213].
وقال: {لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا} [الإسراء: 22].
وقال تعالى فيما حكاه عن قوم نوح: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} [نوح: 23].
قال ابن عباس وغيره من العلماء: هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوها.
وهكذا عند النصارى عن المسيح عليه السلام في كتاب سر بطرس الذي يسمى بشمعون، وسمعان، والصفا، وبطرس، والأربعة لمسمى واحد، عندهم عنه كتاب عن المسيح فيه أسرار العلوم، وهذا فيه عندهم عن المسيح
فالذي تفعله النصارى أصل عبادة الأوثان، وهكذا قال عالمهم الكبير -الذي يسمونه فم الذهب وهو من أكبر علمائهم- لما ذكر
تولد الذنوب الكبار عن الصغار. قال: وهكذا هجمت عبادة الأصنام فيما سلف لما أكرم الناس أشخاصا يعظم بعضهم بعضا فوق المقدار الذي ينبغي، الأحياء منهم والأموات.
وقد قال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا – أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} [الإسراء: 56- 57]”.
أقول: طوائف النصارى التقليدية الكاثوليك والأرثوذكس عندهم تماثيل للقديسين، ويسجدون لها فيما يسمونه السجود للأيقونات.
ظهر البروتستانت بعد ابن تيمية بزمن وزعموا أن بقية النصارى وثنيين، إذ يعبدون غير المسيح، والعجيب أن بعضهم استشهد بكلام يوحنا فم الذهب كما استدل ابن تيمية.
فهذا بروتيستانتي من كنيسة المعمدانيين السبتيين، اسمه أبرام هيربرت لويس، في كتاب له اسمه «بقايا الوثنية في النصرانية» ينقل كلام يوحنا فم الذهب.
في العظة الثامنة على الرسالة إلى أهل كولوسي: “فإن هذه التمائم، مع أن الذين يربحون منها لا يفتؤون يعتذرون عنها ويبررونها، قائلين: “نحن ندعو الله، ولا نفعل شيئًا غريبًا” ونحو ذلك؛ ويقول أيضًا: “إن العجوز مسيحية، ومن المؤمنين” إلا أن الأمر في حقيقته عبادة أوثان”.
وهذا الذي عناه ابن تيمية، وعجيب اطلاع الشيخ فهو فقيه مدقق بلغ رتبة الاجتهاد ومحقق في علم الحديث غاية ومطلع وعارف بالعلل وقلما يجتمعان، مع معرفة بالآثار والعقائد والعقليات وعلوم الآلة بتوسع شديد بز فيه الأقران، ثم تجده مطلعاً على دقائق عند أهل الأديان، فهذا عجب!
وهذا ينبغي أن يذكر في دلائل النبوة، فما يزعمه البروتستانت صحيح تماماً، غير أن أهل الإسلام تفطنوا بفضل الله عليهم بوحيه، وقد غرقت النصرانية قروناً في هذه الوثنية.
وهذا كتاب عقيدة بروتيستانتي مشيخي لأحد كبار علماء اللاهوت عندهم في القرن التاسع عشر ميلادي تشارلز هودج، اسمه «اللاهوت النظامي» يقول فيه : “إن دعاء القديسين كما يمارس في كنيسة روما هو عبادة أوثان”.
كنيسة روما هم الكاثوليك والأرثوذكس يفعلون مثلهم، وأيضاً في أمر عبادة مريم، وكلامهم في ذلك كثير جداً ويزعمون أن النصارى الأوائل أخذوه من الرومان، والحق أنهم أخذوا حتى التثليث من الوثنيين.
وقال ابن تيمية في «الجواب الصحيح» [2/ 88]: “وأما كفرياتهم وبدعهم فكثيرة جدا لم ينقل أحد عن المسيح والحواريين أنهم أمروهم أن يقولوا ما يقولونه في صلاتهم السحرية “تعالوا بنا نسجد للمسيح إلهنا” وفي الصلاة الثانية والثالثة: “يا والدة الإله مريم العذراء افتحي لنا أبواب الرحمة””.
وما أكثر جدل البروتستانت للبقية في عبادة مريم، والشيخ يكتب كأنه رأى هذه الجدليات واستفاد منها فسبحان الله!