هل كان آدم رسولاً ؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فمن المشهور عند عامة الناس أن الأنبياء والرسل الذين ذكروا في القرآن
25 نفساً ، وأن آدم عليه الصلاة والسلام كان رسولاً

والصواب أن آدم عليه الصلاة والسلام كان نبياً ولم يأت دليل بين في أنه
كان رسولاً

فإن قيل : هذا يقودنا إلى البحث في الفرق بين النبي والرسول

فيقال : أجمع ما قيل في الباب ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية في النبوات
من أن النبي هو من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه ولم يرسل إلى قومٍ كافرين

وأما الرسول فمن أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه والفرق بينه وبين النبي أن
الرسول أرسل إلى قومٍ كافرين ، ودعم شيخ الإسلام قوله بما ثبت في الصحيح من ان نوحاً
هو أول الرسل إلى أهل الأرض ،

قال شيخ الإسلام في النبوات ص714 :” والمقصود هنا: الكلام على النبوة؛
فالنبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبىء بما أنبأ الله به؛ فإن أُرسل مع ذلك إلى من خالف
أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه؛ فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله،
ولم يُرسل هو إلى أحد [يبلغه] عن الله رسالة؛ فهو نبي، وليس برسول؛ قال تعالى: {وَمَا
أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى
الشَّيْطَانُ في أُمْنِيَّته}، وقوله: {مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيّ}؛ فذكر إرسالاً يعمّ
النوعين، وقد خص أحدهما بأنّه رسول؛ فإنّ هذا هو الرسول المطلق الذي أمره بتبليغ رسالته
إلى من خالف الله؛ كنوح.

وقد ثبت في الصحيح أنّه أول رسول بُعث إلى أهل الأرض

نوح إنما أرسل عند ظهور الشرك في الأرض قد كان قبله أنبياء؛ كشيث، وإدريس
عليهما السلام، وقبلهما آدم كان نبيّاً مكلّماً. قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح، عشرة
قرون كلهم على الإسلام فأولئك الأنبياء يأتيهم وحي من الله بما يفعلونه ويأمرون به
المؤمنين الذين عندهم؛ لكونهم مؤمنين بهم؛ كما يكون أهل الشريعة الواحدة يقبلون ما
يبلّغه العلماء عن الرسول.

وكذلك أنبياء [بني] إسرائيل يأمرون بشريعة التوراة، وقد يُوحى إلى أحدهم
وحي خاص في قصّة معينة، ولكن كانوا في شرع التوراة كالعالِم الذي يُفهِّمه الله في
قضية معنى يطابق القرآن؛ كما فهَّم الله سليمان [حكم] القضية التي حكم فيها هو وداود

فالأنبياء ينبئهم الله؛ فيُخبرهم بأمره، ونهيه، وخبره. وهم يُنبئون المؤمنين
بهم ما أنبأهم الله به من الخبر، والأمر، والنهي. فإن أُرسلوا إلى كفار يدعونهم إلى
توحيد الله، وعبادته وحده لا شريك له، ولا بُدّ أن يكذّب الرسلَ قومٌ؛ قال تعالى:
{كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ
أَوْ مَجْنُون}1، وقال: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ}؛
فإنّ الرسل تُرسَل إلى مخالفين؛ فيكذّبهم بعضهم.

وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ
مِنْ أَهْلِ القُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوا أَفَلا
[تَعْقِلُونَ] حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا
جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُنْجِي مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِين}وقال:{إِنّا
لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ
الأَشْهَادُ}.

فقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ} دليلٌ
على أن النبيّ مرسل، ولا يسمى رسولاً عند الإطلاق؛ لأنّه لم يرسل إلى قوم بما لا يعرفونه،
بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفونه أنّه حقّ؛ كالعالِم، ولهذا قال النبيّ صلى الله عليه
وسلم: “العلماء ورثة الأنبياء”

وقد ذكر بعض الناس فرقاً بين النبي والرسول ، وهو أن الرسول من أتى بشريعة
جديدة والنبي هو من سار على شريعة رسول قبله وقد نقض شيخ الإسلام هذا القول حيث قال
في النبوات في ص718 :” وليس من شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة؛ فإنّ يوسف كان
على ملة إبراهيم، وداود وسليمان كانا رسولين، وكانا على شريعة التوراة فهو رسول. فالرسل:
من أُرسلوا إلى كفار يدعونهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له. ولا بُدّ أن
يُكذّب الرسلَ قومٌ؛ قال تعالى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ
رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ}، وقال تعالى: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا
مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ}؛ فإنّ الرسل ترسل إلى مخالفين، فيكذبهم بعضهم.
والرسول يُسمّى رسولاً على الإطلاق؛ لأنّه يُرسل إلى قوم بما لا يعرفونه. وليس من شرط
الرسول أن يأتي بشريعة جديدة؛ فإنّ يوسف عليه السلام كان رسولاً، وكان على ملة إبراهيم
عليه السلام، وداود وسليمان عليهما السلام كانا رسولين، وكانا على شريعة التوراة قال
تعالى عن مؤمن آل فرعون: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا
زِلْتُمْ في شَكّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ
اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً}، وقال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا
إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ
وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ
وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورَاً وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً
لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمَاً}”

وعلى هذا التقرير من شيخ الإسلام لا يكون آدم رسولاً إذ أنه لم يرسل إلى
قوم مكذبين ، وإنما هو نبي وهذا صريح في كلام شيخ الإسلام وحتى إدريس يرى شيخ الإسلام
أنه نبي وليس رسولاً بناءً على القول بأنه كان بين آدم ونوح ، وقد ذهب بعض أهل العلم
أنه من أنبياء بني إسرائيل ،وحتى على هذا القول قد لا يكون رسولاً

وتأويل حديث البخاري في أن نوح أول الرسل إلى أهل الأرض ، بأن المراد به
أول الرسل إلى المشركين وأن آدم ان قبله رسولاً للمؤمنين ، تأويل فيه نظر إذ أننا لا
نسلم أن الرسالة تكون للمؤمنين وإنما تكون لهم النبوة والرسول لا يكون رسولاً إلا إذا
أرسل إل قومٍ مكذبين

 هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم