من جديد : التحامل غير المبرر على الأمويين

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

من جديد : التحامل غير المبرر على الأمويين

لا شك أن الحقبة الأموية فيها خير وشر والأمويون ليسوا رجلاً واحداً فهم متفاوتون في الفضل ففيهم الصالح وفيهم الطالح وفيهم المتوسط

غير أنه من سمات عصرنا الكلام على الأمويين بصورة سلبية بشكل عام وإلصاق كل مثلبة بهم والتساهل في ذلك ، نعم لعدد منهم مثالب لا تنكر ولكن للأسف هناك تجاوز كثير عليهم في هذا الباب

وسبب هذه الظاهرة التأثر بالنفس الشيعي أو أن بعضهم يظن أنه بذلك يظهر الولاء لأهل البيت أو يظهر النفس الثوري ضد السلطة الجائرة !

وبعضهم يظن أنه بذلك يكيد السلفيين الذي عندهم ( نفس أموي ) وهذه فرية بهذا التعميم غير أن السلفيين في كثير يرفضون تقليد الروافض والشعوبية وعتاة المعتزلة في المبالغة في ثلب القوم وإن كان منهم من يقع بِمَا يقع به أهل العصر

وقد رأيت مقطعاً لرجل منتسب للمذهب المالكي بدأ يظهر هذه الأيام وحقيقة ما رأيت له مقطعاً إلا وفيه من ضعف التحرير ما فيه على أنني لم أتتبع دروسه كلها فلعلها يوجد فيها الشيء القوي الذي فاتني

هذا المقطع وضع في عنوانه أن فيه كلاماً شديداً على الأمويين وكان المقطع يتكلم عن القراءة في المصحف فذكر أن الحجاج هو أول من نشر هذا بين المسلمين في المساجد وأن ذلك من بدع الأمويين

ثم عرج إلى بدع موضوع الأمويين وأنهم ابتدعوا بدعاً كثيرة بلغت 12 أو 13 بدعة بينها العلماء وانقرظت ثم تحدث بحديث يتوعد فيه الأمويين بالنار !

فمن البدع التي ذكرها بدعة الأذانين للعيدين والواقع أن الروايات في أن ابن الزبير هو أول من جعل الأذانين للعيدين أقوى من الروايات التي تذكر هذا عن بعض الأمويين وهو معاوية ( ففي الرواية قتادة عن سعيد بن المسيب وروايته عنه ضعيفة جداً بالعنعنة وعارضها تلك الروايات عن ابن الزبير )

ومعلوم أن ابن الزبير رضي الله عنه هو عدو مروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان وقد أنكر على ابن الزبير عبد الله بن عباس وأخذ عامة أهل العلم بإنكار ابن عباس وتركوا اجتهاد ابن الزبير وهذا كان اجتهاد صحابي مثل ابن الزبير يدفع ولا يقبله الفقهاء لمخالفة من هو أعلم منه وأكبر له فما عسى نقول ببدع مثل بدعة المولد وغيرها ما قال بها عالم مجتهد في عصر السلف

وما عسى نقول في بلايا المتكلمين والله المستعان

والخلاصة أن اتهام الأمويين بالأمر لا يثبت بل يثبت على مخالفهم التاريخي والروايات في مصنف ابن أبي شيبة والرواية لها إسنادان عن ابن الزبير فلو فرضنا أنه فعلها بعض الأمويين فهو اجتهاد مرجوح وافقهم عليه بعض المشهورين بخلافهم فالمسألة أهون من ذلك التشنيع

والمسألة الثاني التي ذكرها جعل الخطبة في العيدين قبل الصلاة وذكر أن مروان بن الحكم أول من بدأ بهذا ونعم مذكور في عدد من المصادر القديمة أن مروان بن الحكم أول من فعله وهذا بحسب علم الراوي وإلا فقد ورد عن عمر بن الخطاب أنه فعل ذلك أحياناً إذا ذهب ليخطب في جفاة الناس الذي لا يجلسون للخطبة

قال ابن أبي شيبة في المصنف 421- من رخص أن يخطب قبل الصلاة.
5734- حدثنا عبدة بن سليمان ، عن يحيى بن سعيد ، عن يوسف بن عبد الله بن سلام ، قال : كان الناس يبدؤون بالصلاة ، ثم يثنون بالخطبة ، حتى إذا كان عمر وكثر الناس في زمانه ، فكان إذا ذهب ليخطب ذهب جفاة الناس ، فلما رأى ذلك عمر بدأ بالخطبة حتى ختم بالصلاة.

وهذا إسناد صحيح وقد كان مروان شديد العناية بأقضية عمر وأحواله

وأيضاً روي ذلك عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه المخالف المشهور للأمويين والرواية عنه في ذلك صحيحة الإسناد

ولو كنت أعرف من هذا المتكلم كثرة إنكاره على بدع الناس في بلده لاستروحت لكلامه واستهونته على ما فيه ولكن بدع المتأخرين وأحوال الناس اليوم المليئة بالبدع الكلام في ذلك يسير ثم نقفز إلى اجتهادات خاطئة وقعت لبعض الفضلاء ونفرد عضلاتنا عن طريق نسبتها للأمويين وحدهم ثم نتكلم بكلام غايته مناكفة قوم أو تملق قوم آخرين أو كلام بما لا يصلح

وحتى مسألة القراءة في المصحف في الصلاة بالناس روي عن الحسن وابن سيرين الترخيص فيه ومن زعم أنه من إحداث الحجاج فقد أخطأ وتكلم بما بلغه علمه فحسب

قال ابن هانئ : سألته _ يعني الإمام أحمد _ عن الرجل يؤم في شهر رمضان في المصحف؟
فقال: لا بأس به، قد كانت عائشة تأمر مولى لها، يؤمها في شهر رمضان في المصحف، وعدة من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- والحسن، ومحمد ابن سيرين، وعطاء، لم يكونوا يرون به بأسًا .
“مسائل ابن هانئ” (485)