غربة علماء الحديث

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

قال الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (1/97)
:”

91 – أنا محمد بن أحمد بن يعقوب ، أنا محمد بن نعيم الضبي ، أخبرني محمد
بن يوسف بن ريحان ، قال : حدثني أبي ، قال ، : سمعت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل ،
يعني البخاري – يقول :

 أفضل المسلمين رجل أحيا سنة من
سنن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أميتت ، فاصبروا يا أصحاب السنن رحمكم الله فإنكم
أقل الناس

 قال الشيخ أبو بكر : قول البخاري
إن أصحاب السنن أقل الناس ، عنى به الحفاظ للحديث ، العالمين بطرقه ، المميزين لصحيحه
من سقيمه

 وقد صدق رحمه الله في قوله ، لأنك
إذا اعتبرت لم تجد بلدا من بلدان الإسلام يخلو من فقيه ، أو متفقه يرجع أهل مصره إليه
، ويعولون في فتاويهم عليه ، وتجد الأمصار الكثيرة خالية من صاحب حديث عارف به مجتهد
فيه ، وما ذاك إلا لصعوبة علمه وعزته وقلة من ينجب فيه من سامعيه وكتبته

 وقد كان العلم في وقت البخاري
غضا طريا ، والارتسام به محبوبا شهيا ، والدواعي إليه أكبر ، والرغبة فيه أكثر ، وقال
هذا القول الذي حكيناه عنه ، فكيف نقول في هذا الزمان مع عدم الطالب ، وقلة الراغب
وكان الشاعر وصف قلة المتخصصين من أهل زماننا في قوله : وقد كنا نعدهم قليلا ، فقد
صاروا أقل من القليل”

أقول : فكيف بزماننا ؟

قال ابن رجب في شرح علل الترمذي (1/ 499) :” وذكر أبو حاتم شيئاً
من معرفة الرجال فقال : ذهب الذي كان يحسن هذا – يعني أبا زرعة – ما بقي بمصر ولا بالعراق
أحد يحسن هذا ! .

قال أبو حاتم : وجرى بيني وبين أبي زرعة يوماً تمييز الحديث ومعرفته ،
فجعل يذكر أحاديث ويذكر عللها ، وكنت أذكر أحاديث خطأ وعللها ، وخطأ الشيوخ ، فقال
لي : يا أبا حاتم قل من يفهم هذا ، ما أعز هذا ، إذا رفعت هذا عن واحد واثنين ، فما
أقل ما تجد من يحسن هذا ! “

أقول : فكيف بزماننا ؟

قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص149:” وقد كان علماء السلف يبتعدون
عن الأمراء لما يظهر من جورهم فتطلبهم الأمراء لحاجتهم اليهم في الفتاوي والولايات

فنشأ أقوام قويت رغبتهم في الدنيا فتعلموا العلوم التي تصلح للأمراء وحملوها
إليهم لينالوا من دنياهم

ويدلك على أنهم قصدوا بالعلوم أن الأمراء كانوا قديما يميلون إلى سماع
الحجج في الأصول

 فأظهر الناس علم الكلام

ثم مال بعض الأمراء إلى المناظرة في الفقه فمال الناس إلى الجدل

ثم بعض الأمراء إلى المواعظ فمال خلق كثير من المتعلمين إليها

ولما كان جمهور العوام يميلون إلى القصص كثر القصاص وقل الفقهاء”

أقول : وعلماء الحديث قلة في الحالتين والله المستعان

هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم