حديث عظيم فيه الرد على القبورية الطاعنين في سعة رحمة الله عز وجل

في

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

قال البخاري في صحيحه 3073 : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى
عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو زُرْعَةَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :

قَامَ فِينَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الْغُلُولَ
فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ قَالَ لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ يَقُولُ
يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ

وَعَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ
أَغِثْنِي فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ

وَعَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ
لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ

أَوْ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ
أَغِثْنِي فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ

وَقَالَ أَيُّوبُ عَنْ أَبِي حَيَّانَ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ .

أقول : فهذا نص من النبي صلى الله عليه وسلم أنه يوم القيامة لا يجد نفعاً
لمن غل

فأين هذا من قول يقول

إن لم تكن يوماً آخذاً بيدي *** فضلاً فقل يا زلة القدم

ودل هذا الحديث أن ليس كل الأمة تنالها شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم
في الإخراج من النار

وهذا المعنى يدل عليه حديث الجهنميين ، الذين يخرجهم الله عز وجل بقبضته
فلا شك أن هؤلاء لم تنلهم شفاعة جميع الأنبياء

فهذه الأخبار تدل على أن الله عز وجل أرحم بنا من أنبيائه وهؤلاء القبورية
يستغيثون بالأنبياء ويتركون رب العالمين ، وهم في ذلك منتقصون لله عز وجل ظانين به
ظن السوء ، ويظنون أن الأولياء والأنبياء أرحم بهم من رب العالمين

قال ابن أبي شيبة في المصنف في باب م ذكر في سعة رحمة الله عز وجل

35343: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ
، عَنْ سَلْمَانَ ، قَالَ :

لَمَّا أُرِيَ إِبْرَاهِيمُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، رَأَى
عَبْدًا عَلَى فَاحِشَةٍ ، فَدَعَا عَلَيْهِ ، فَهَلَكَ ، ثُمَّ رَأَى آخَرَ فَدَعَا
عَلَيْهِ ، فَهَلَكَ ، ثُمَّ رَأَى آخَرَ فَدَعَا عَلَيْهِ ، فَهَلَكَ ، فَقَالَ اللَّهُ
: أَنْزِلُوا عَبْدِي ، لاَ يُهْلَك عِبَادِي.

وهذا إسناد صحيح إلى سلمان الفارسي

وقال ابن أبي الدنيا في العقوبات 233 : قال : حدثنا إسحاق بن إسماعيل ،
قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن
عباس

وعن المنهال بن عمرو ، وعن عبد الله بن الحارث ، عن ابن عباس ، قال :

لما أتى موسى عليه السلام قومه أمرهم بالزكاة ، فجمعهم قارون فقال : ما
هذا ؟

أتطيعونه في الصوم والصلاة وأشياء تجهلونها فتحتملون أن تعطوه أموالكم
؟

فقالوا : ما نحتمل أن نعطيه أموالنا ، قالوا : فما ترى ؟

قال : نرى أن يبعث إلى بغي بني إسرائيل ، فنأمرها أن ترميه بأنه ارتادها
على نفسها ، على رءوس الناس والأخيار . ففعلوا

فرمت موسى عليه السلام على رءوس الناس ، ودعا الله عز وجل عليهم

فأوحى الله عز وجل إلى الأرض أن أطيعيه ، فقال موسى للأرض : خذيهم ، فأخذتهم
إلى أعقابهم ، فجعلوا يقولون : يا موسى ، يا موسى ، قال : خذيهم ، فأخذتهم إلى ركبهم
، فجعلوا يقولون : يا موسى ، يا موسى ، قال : خذيهم ، فأخذتهم إلى أعناقهم ، فجعلوا
يقولون : يا موسى ، يا موسى ، قال : خذيهم ، فغيبتهم فيها ، فأوحى الله عز وجل : يا
موسى ، يسألك عبادي ويتضرعون إليك فلم تجبهم ؟

أما وعزتي لو إياي دعوا لأجبتهم .

وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس ، وأرحم الخلق بالخلق الأنبياء ، ورحمة الله
عز وجل فوق ذلك كله ، فكيف يستغاث بالمخلوق ، ويترك أرحم الراحمين

وقال ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله 35 : حدثنا أبو عمرو محمد بن عبد
العزيز بن أبي رزمة المروزي قال : أخبرنا علي بن شقيق ، أخبرنا الحسين بن واقد ، عن
أبي غالب ، قال :

كنت أختلف إلى الشام في تجارة ، وعظم ما كنت أختلف من أجل أبي أمامة فإذا
فيها رجل من قيس من خيار المسلمين ، فكنت أنزل عليه ومعنا ابن أخ له مخالف ، يأمره
وينهاه ويضربه فلا يطيعه

 فمرض الفتى فبعث إلى عمه فأبى
أن يأتيه قال : فأتيته به حتى أدخلته عليه

 فأقبل عليه يسبه ويقول : أي عدو
الله الخبيث ، ألم تفعل كذا ؟ ألم تفعل كذا ؟ قال : أفرغت أي عم ؟

قال : نعم ، قال : أرأيت لو أن الله عز وجل دفعني إلى والدتي ، ما كانت
صانعة بي ؟

قال : إذا والله كانت تدخلك الجنة ، قال : فوالله لله أرحم بي من والدتي
، فقبض الفتى

 قال : فخرج عليه عبد الملك بن
مروان ، فدخلت القبر مع عمه ، قال : فخطوا له خطا ولم يلحدوا

 قال : فقلنا : باللبن فسويناه
، قال : فسقطت منه لبنة ، فوثب عمه وتأخر

 قلت : ما شأنك ؟ قال : ملئ قبره
نورا ، وفسح له فيه مد البصر .

وهذا إسناد قوي إلى أبي غالب وتأمل قول الشاب ( فوالله لله أرحم بي من
والدتي ) ، وهذا في حال الاحتضار أما في حال النشاط فحسن الظن بالله يقتضي أن تعمل
وترجو ثوابه ، وأما من يعمل المعاصي ويقول أنا أحسن الظن بالله فهذا آمن من مكر الله
عز وجل

قال ابن القيم في إغاثة اللهفان (1/62) :

” فالشرك والتعطيل مبنيان على سوء الظن بالله تعالى

ولهذا قال إبراهيم إمام الحنفاء لخصمائه من المشركين : أإفكا آلهة دون
الله تريدون فما ظنكم برب العالمين

وإن كان المعنى ما ظنكم به أن يعاملكم ويجازيكم به وقد عبدتم معه غيره
وجعلتم له ندا

فأنت تجد تحت هذا التهديد : ما ظننتم بربكم من السوء حتى عبدتم معه غيره

فإن المشرك إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم من
: من وزير أو ظهير أو عون وهذا أعظم التنقيص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته وكل ما
سواه فقير إليه بذاته

وإما أن يظن أن الله سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك

وإما أن يظن بأنه لا يعلم حتى يعلمه الواسطة أولا يرحم حتى يجعله الواسطة
يرحم أو لا يكفي عبده وحده أو لا يفعل ما يريد العبد حتى يشفع عنده الواسطة كما يشفع
المخلوق عند المخلوق فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع وانتفاعه به وتكثره به
من القلة وتعززه به من الذلة أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن ترفع تلك
الحاجات إليه كما هو حال ملوك الدنيا وهذا أصل شرك الخلق

أو يظن أنه لا يسمع دعاءهم لبعده عنهم حتى يرفع الوسائط ذلك

 أو يظن أن للمخلوق عليه حقا فهو
يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه ويتوسل إليه بذلك المخلوق كما يتوسل الناس إلى الأكابر
والملوك بمن يعز عليهم ولا يمكنهم مخالفته وكل هذا تنقص للربوبية وهضم لحقها ولو لم
يكن فيه إلا نقص محبة الله تعالى وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه من قلب المشرك
بسبب قسمته ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به فينقص ويضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة
والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من عبده من دونه لكفى في شفاعته

فالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه والتنقص لازم له ضرورة شاء المشرك أم أبى

ولهذا اقتضى حمده سبحانه وكمال ربوبيته أن لا يغفره وأن يخلد صاحبه في
العذاب الأليم ويجعله أشقى البرية

فلا تجد مشركا قط إلا وهو متنقص لله سبحانه وإن زعم أنه يعظمه بذلك

كما أنك لا تجد مبتدعا إلا وهو متنقص للرسول وإن زعم أنه معظم له بتلك
البدعة فإنه يزعم أنها خير من السنة وأولى بالصواب

أو يزعم أنها هي السنة إن كان جاهلا مقلدا وإن كان مستبصرا في بدعته فهو
مشاق لله ورسوله”

هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم