توجيه ما ورد في رسالة الاصطخري بشأن التقليد

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (11/ 303) معلقاً على رسالة الاصطخري
عن الإمام أحمد :” وَمِنْ أسمجِ مَا فِيْهَا قَوْلُه: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لاَ
يَرَى التَّقليدَ، وَلاَ يُقلِّدُ دينَه أَحَداً، فَهَذَا قَوْلُ فَاسقٍ عدوٍّ للهِ،
فَانْظُرْ إِلَى جهلِ المُحَدِّثِيْنَ كَيْفَ يروُونَ هَذِهِ الخُرَافَةَ، وَيسكتُوْنَ
عَنْهَا”

أقول : رسالة الاصطخري في نفسها لا تثبت غير أن هذا اللفظ الذي انتقده
الذهبي ، ليس محلاً للانتقاد.

 وسبب انتقاده هو محاكمة المتقدمين
إلى لسان المتأخرين ، وليس هذا من الانصاف في شيء .

 فإن رسالة الاصطخري عامة ألفاظها
هي ألفاظ عقيدة حرب الكرماني

قال حرب الكرماني – وهو الثقة الثبت – في مقدمة عقيدته :” هذا مذهب
أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت
من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب، أو
طعن فيها، أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج من الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق”

ثم مما جاء في عقيدة حرب قوله :” ومن زعم أنه لا يرى التقليد، ولا
يقلد دينه أحدًا فهذا قول فاسق مبتدع عدوا لله ولرسوله – صلى الله عليه وسلم -، ولدينه،
ولكتابه، ولسنة نبيه عليه السلام، إنما يريد بذلك إبطال الأثر، وتعطيل العلم، وإطفاء
السنة، والتفرد بالرأي، والكلام، والبدعة والخلاف.

 فعلى قائل هذا القول لعنة الله
والملائكة والناس أجمعين. فهذا من أخبث قول المبتدعة، وأقربها إلى الضلالة والردى،
بل هو ضلالة زعم أنه لا يرى التقليد وقد قلد دينه أبا حنيفة وبشر المريسي، وأصحابه،
فأي عدو لدين الله أعدى ممن يريد أن يطفئ السنن، ويبطل الآثار والروايات، ويزعم أنه
لا يرى التقليد وقد قلد دينه من قد سميت لك، وهم أئمة الضلال، ورءوس البدع، وقادة المخالفين”

فهذا نحوٌ من لفظ عقيدة الاصطخري التي زعم  الذهبي أنها خرافة ،
وهذا الكلام من نظر في سياقه علم أن له محملاً صحيحاً وبيان ذلك من وجوه

أولها : أن التقليد عند المتأخرين يراد به قبول قول من ليس قوله بحجة بغير
حجة ، وأما المتقدمون فربما أطلقوا التقليد على الاتباع

قال الشافعي في كتاب الأم (8/ 746) :” فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ
صِرْنَا إلَى أَقَاوِيلِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – أَوْ وَاحِدٍ
مِنْهُمْ ثُمَّ كَانَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ أَبِي بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ أَوْ عُثْمَانَ
إذَا صِرْنَا فِيهِ إلَى التَّقْلِيدِ أَحَبَّ إلَيْنَا”

فسمى الشافعي الأخذ بقول الصديق أو الفاروق أو عثمان تقليداً ، والحق أنه
ليس تقليداً على قول المتأخرين من الأصوليين لأن أقوالهم حجة وسنة كما ثبت في الحديث
( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين )

ثانيها : واضح من كلام حرب الكرماني أنه يريد قوماً معينين يقولون ( نحن
لا نقلد ) ويريدون بذلك رد آثار السلف بدليل قوله (ويبطل الآثار والروايات ) ، وبدليل
قوله (وقد قلد دينه أبا حنيفة وبشر المريسي) ، فهو يريد أهل الرأي وأهل الاعتزال

وهذا الصنف من الناس لا يزال منهم في البرية ، فيأتي بعضهم إلى الأقوال
الشاذة بل المنكرة التي انعقد الإجماع على خلافها ، ثم يقول أنا لا أقلد ويأتي بالضلالات

ومثلهم أهل التمييع الذين يردون الجرح المفسر بحجة ( عدم التقليد )

وكلمة حرب هذه تشبه إلى حد كبير قول الإمام أحمد (مَنْ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ
فَهُوَ كَاذِبٌ ، لَعَلَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا) الذي ظن منه بعض الناس أن الإمام أحمد
ينكر الإجماع مطلقاً ولو أكملوا الأثر لفهموا مراد الإمام حيث قال (هَذِهِ دَعْوَى
بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَالْأَصَمِّ) فهو يعني دعاوي المعتزلة في الإجماع ، وهذا كثير
في العقليات التي يعارضون بها النصوص فيقولون ( دل العقل على كذا وكذا ) معارضين بذلك
للنصوص وإنما هي عقولهم المريضة

قال ابن القيم في إعلام الموقعين (2/368) :” وَهَذَا مِنْ أَمْحَلْ
الْمُحَالِ ، وَحِينَ نَشَأَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ تَوَلَّدَ عَنْهَا مُعَارَضَةُ
النُّصُوصِ بِالْإِجْمَاعِ الْمَجْهُولِ ، وَانْفَتَحَ بَابُ دَعْوَاهُ ، وَصَارَ مَنْ
لَمْ يَعْرِفْ الْخِلَافَ مِنْ الْمُقَلِّدِينَ إذَا احْتَجَّ عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ
وَالسُّنَّةِ قَالَ : هَذَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ .

وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَنْكَرَهُ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ ، وَعَابُوا مِنْ
كُلِّ نَاحِيَةٍ عَلَى مَنْ ارْتَكَبَهُ ، وَكَذَّبُوا مَنْ ادَّعَاهُ ؛ فَقَالَ الْإِمَامُ
أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ : مَنْ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فَهُوَ
كَاذِبٌ ، لَعَلَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا ، هَذِهِ دَعْوَى بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَالْأَصَمِّ
، وَلَكِنْ يَقُولُ : لَا نَعْلَمُ النَّاسَ اخْتَلَفُوا ، أَوْ لَمْ يَبْلُغْنَا

فانظر كيف وجه كلام الإمام أحمد توجيهاً يتوافق فيه مع الأصول ، بدلاً
من المبادرة إلى الإنكار اتباعاً للإلف

وليعلم أن رسالة حرب الكرماني في العقيدة لها مكانتها عند الأئمة فقد اعتمدها
شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم عند الرد على الشعوبية

واعتمدها ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية

واعتمدها العلامة سليمان بن سحمان عند كلامه على تكفير الجهمية في رده
على حسين بن حسن آل الشيخ

ووقفة أخيرة مع تعليق المعلقين على سير أعلام النبلاء على قول الذهبي حيث
قالوا :” رحم الله المؤلف، وجزاه عن الإسلام خيرا، فهو كما وصفه تلميذه الصلاح
الصفدي 2 / 163 بأنه لم يكن عنده جمود المحدثين، ولا كودنة النقلة، بل هو فقيه، له
دربة بأقوال الناس، ومذاهب الأئمة من السلف”

قولهم ( جمود المحدثين ) إنما هو لما في نفوسهم على أهل الحديث لأنهم على
طريقة أهل الرأي .

 وأهل الحديث أبعد الناس عن الجمود
وأحسن الناس فقهاً .

 وإنما لم تعرف الأمة أجلف ولا
أصلف من أهل الرأي الذي يخالفون العشرات من الأحاديث الصحيحة بحجة مخالفة القياس ثم
يأتون إلى خبر مرسل يخالف القياس ويتدينون به ، وينازعون الأمر أهله .

حتى إذا ضعف المحدثون إماماً من أئمتهم في الحديث تجلد أهل الرأي ووثقوه
من عند أنفسهم وحسنوا حديثه كما فعل المعلقان على زاد المعاد لما مرا بحديث ( أفضل
الحج العج والثج ) فحسنا الحديث من طريق أبي حنيفة ، مع علمهم بأن عامة المحدثين على
تضعيفه بل وتضعيفه جداً ، فأي جمود أعظم من هذا ؟

 وتراهم إذا صنفوا في الأصول ذكروا
من شروط المجتهد أن يكون عالماً بالصحيح والضعيف حافظاً لأكثر السنة ، وغيرها من الشروط
التي لا تكاد تتوافر في أحد من الناس إلا النزر اليسير ، ثم هم يقلدون رجلاً ضعفه عامة
أئمة أهل النقد ! من دون بقية الأئمة ويوجبون على من تقيد بمذهبه عدم الخروج عنه

ولا ترى نظيراً لهذا في أهل الحديث

هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم