تنزيه أم المؤمنين عن سلوك أهل الريب والانحراف العقائدي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن مما لا تخطئه العين أن كثيراً من النساء ترى أن أخص صفاتها أنها امرأة وليس الإسلام، مع عقدة مظلومية مزمنة بحيث إذا كانت الحياة على غير ما تريد في أي شيء لبست عباءة المظلومية وإلقاء اللوم على أي شيء أمامها ( إلا نفسها ) وكثير منهن صار أسلوب مقارعة الدين فإما بالكفر به صراحة أو التشكيك ببعض الأحاديث أو مهاجمة الفقهاء ، وكلما وطئت عليهن الأنظمة الغربية الحديثة ذهبن يهاجمن الشريعة

وإذا كانت المرأة على غير ما هن عليه هاجمنها وأرهبنها ولا يستحين من رميها بأقذع التهم والسخرية منها واحتقارها ، ومع الأسف ضعف تحت هذا الإرهاب عدد لا بأس من الخيرات

وهناك منتسبات إلى طلب العلم يحملن هذه العقد ولكن بشكل فيه درجة من الأناقة التي يقتضيها سمت طالب العلم ويمارسن الانتقاء من أقوال الفقهاء ما يقارب تلك العقد وإن لم يجدن عرّضن بإتهام الفقهاء وكل واحدة منهن تمسك بوابة فمنهن من تمسك بوابة المعاصرين ومنهن من تمسك بوابة تيار معين ومنهن من تنال من عموم بحسب الفئة المستهدفة وكأن بينهن تنسيقاً وتعلم هذا من حماسهن للإعتذار لبعضهن البعض مع ضعف ردودهن على بعض إن وُجدت مع التوحش تجاه كل من يمس أسس المظلومية والتعصب للجنس الذي ينطلقن منه وكثير منهن لها لسان تكلم به المتشرع ولسان تكلم به العامي ولسان تكلم المتزندق وتحاول أن تفوز من كل واحد بما يوافق هواها أو يحيده على الأقل

وكما أن التيار الأول وجد له ذكور يؤيدونه طمعاً باللحم الرخيص عسى أن يفوزوا منهن بشيء ، فمع الأسف تيار طالب العلم اللواتي بهن مس نسوي هناك من طلبة العلم أو المنتسبين لطلب العلم من يهون من شأن ما يصنعن ويتصنع الإنصاف وذاك الفاسق يريد لحماً أنت يا طالب العلم ماذا تريد ؟ شفى الله قلبك من البلاء تفقده جيداً عسى ألّا يكون أصابه شيء من تلك الأدواء الخفية من كثرة الخلطة

وأمارة هؤلاء أنك تجده يرى الاستهزاء بالشرائع والطعن في الثوابت والتشهي الفقهي فلا يحركه ذلك كثيراً أو يكون رده هادئاً إن رد ولكنه إن دافع عن واحدة منهن جاءت بما يجلب لها الريب تولد في قاموسه من الشدة ألفاظاً لا يستخدمها عادةً مع أي مخالف ، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن

وقد ظن جميع من سبقوا أنهم وجدوا بغيتهم في تبرير هذه السلوكيات التي يتضايق من آيات القرآن بما وجدوه عن أم المؤمنين في اعتراضها على حديث ( يقطع الصلاة ثلاثة الكلب والحمار والمرأة الحائض )

فشبهوا أم المؤمنين بأولئك المحكومات بعقدة المظلومية ، وقد أساءوا والله أيما إساءة لأم المؤمنين ولكن ما نصنع بهوى القلوب ، سنوات ونحن مغلوبون على أئمتنا فتجد المرء منهم يقول عن نفسه “سلفي” ويظهر تعظيم الصحابة وهو يرد تفاسيرهم ويقول عنها إسرائيليات ويقدم تفاسير المعتزلة عليها وليست تلك عارضة بل حالة منهجية ، ويقولون “أهل الحديث” وهم يأتون على كلامهم الذين تتابعوا عليه في أهل الرأي ويشنعون أيما تشنيع على الآخذ به، ويقول “أهل سنة” ثم يأتي إلى من ينطبق عليهم وصف الجهمية في كلام السلف ( أشنع البدع ) بدلالة التضمن ودلالة الإلتزام ودلالة المطابقة بدلالة الظاهر تارة ودلالة النص أخرى ثم يعظمونهم تعظيماً خارجاً عن الحد وينزلونهم منازل لا يستحقها إلا الصحابة والأئمة المجددين على العقيدة الصحيحة ، فغدونا مغلوبين على أئمتنا كمن شركوه في ورث أبيه وأخذوا أكثر من نصيبه وما بقي له إلا أقل من الثلث ، ثم ما صبروا حتى أرادوا مغالبتنا على أمنا وعليها نعوّل في قضايا الاختلاط والحجاب وخروج النساء وقد عشت مع آثارها وعلومها زماناً وقد تتلمذت عليها الدنيا وهي جالسة في بيتها لازمة له لا تخرج إلا لضرورة

  • فأما مسألة خروج النساء

فقال البخاري في صحيحه 869 – حدثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت : لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل. قلت لعمرة أومُنِعن؟ قالت نعم.

واليوم يفتونهن بالخروج وكشف الوجوه وقد بدر من كثير بوادر سوء

  • وأما مسألة الاختلاط فقال الشافعي في الأم : [ 955 ] – أخبرنا سعيد بن سالم، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن منبوذ بن أبي سليمان، عن أمه: أنها كانت عند عائشة زوج النبي ﷺ ، فدخلت عليها مولاة لها، فقالت لها : يا أم المؤمنين طفت بالبيت سبعاً واستلمت الركن مرتين أو ثلاثاً ، فقالت لها عائشة رضي الله عنها : لا آجرك الله لا آجرك الله، تدافعين الرجال ألا كبَّرت ومررت.
  • وأما ما ذُكر من مسألة اعتراض أم المؤمنين على حديث ( يقطع الصلاة ثلاثة )

فالأمر يُفهم أن أم المؤمنين هي أم معلمة فعلاً ولهذا كانت تُراجع روايات الصحابة ولها في ذلك أمثلة كثيرة وعامتها لا علاقة بالحديث عن النساء فكانت تصحح للراوي بناء على فهمها للشريعة بالجملة وكانت في بعض الروايات تكون على حق وفي أخرى يكون الصحابي الراوي أولى بالصواب منها فهي تحسب أن المرء يحدث بشيء منسوخ كما حدث من بعض الصحابة أو تحسب أنه أخطأ في لفظ

وبعض الناس يستخدم هذا للطعن في السنة وهو في الواقع حجة للسنة فإن هذا معناه أن الصحابي إذا حدث فإن البقية يراجعونه فإذا روى الصحابي حديثاً وسكت عليه البقية فتلك قرينة قوية على صحته وأنه لا معارض له وإذا كانت عائشة في حجرتها كانت تراجع الأخبار فما بالك بالصحابة السيارين بالأسواق والمساجد ، وقد ثبت أن أبا هريرة كان يجلس عند حجرة أم المؤمنين فيحدث وينظر هل ترد عليه شيئاً مما يقول فكانت تقره وتنكر عليه سرد الأحاديث وتحب أن يكون الأمر مقطعاً ويعاد الحديث ثلاثاً كما كان يفعل النبي ﷺ .

وإليك أمثلة من مراجعات الصحابة لبعضهم البعض وأن ذلك ليس خاصاً بأم المؤمنين وأمثلة على مراجعات أم المؤمنين ثم بعد ذلك نبيِّن وجه الكلام على حديث يقطع الصلاة ثلاثة

المثال الأول : في صحيح مسلم جاء أبو موسى إلى عمر بن الخطاب فقال : السلام عليكم هذا عبد الله بن قيس ، فلم يأذن له ، فقال : السلام عليكم هذا أبو موسى ، السلام عليكم هذا الأشعري ، ثم انصرف ، فقال : ردوا علي ردوا علي ، فجاء فقال : يا أبا موسى ما ردك ؟ كنا في شغل ، قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول : الاستئذان ثلاث ، فإن أذن لك ، وإلا فارجع قال : لتأتيني على هذا ببينة ، وإلا فعلت وفعلت ، فذهب أبو موسى.
قال عمر : إن وجد بينة تجدوه عند المنبر عشية ، وإن لم يجد بينة فلم تجدوه ، فلما أن جاء بالعشي وجدوه ، قال : يا أبا موسى ، ما تقول ؟ أقد وجدت ؟ قال : نعم ، أبي بن كعب ، قال : عدل ، قال : يا أبا الطفيل ما يقول هذا ؟ قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك يا ابن الخطاب فلا تكونن عذاباً على أصحاب رسول الله ﷺ ، قال : سبحان الله إنما سمعت شيئاً ، فأحببت أن أتثبت.

هنا عمر طلب التثبت مع أنه ثبت أنه كان يحدث الناس ولا يستشهد معه أحداً وثبت أنه قبِل روايات من واحد فقط ولكنه هنا شك لأنه كان يجالس النبي ﷺ كثيراً وخفي عليه هذا الأمر الذي يتكرر في المجالس فأراد التثبت فتثبته لورود معارض عنده ، وهذه القرينة لا تتوفر في حقنا بل نحن القرينة في حقنا معكوسة وهي سكوت بقية الصحابة على ذلك

المثال الثاني : في صحيح مسلم : حدثنا حرملة بن يحيى التجيبي ، أخبرنا عبد الله بن وهب ، حدثني أبو شريح ، أن أبا الأسود ، حدثه عن عروة بن الزبير ، قال : قالت لي عائشة : يا ابن أختي بلغني أن عبد الله بن عمرو ، مار بنا إلى الحج ، فالقه فسائله ، فإنه قد حمل عن النبي ﷺ علماً كثيراً ، قال : فلقيته فساءلته عن أشياء يذكرها عن رسول الله ﷺ.
قال عروة : فكان فيما ذكر ، أن النبي ﷺ ، قال : إن الله لا ينتزع العلم من الناس انتزاعاً ، ولكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم ، ويبقي في الناس رؤوساً جهالاً ، يفتونهم بغير علم ، فيضلون ويضلون.
قال عروة : فلما حدثت عائشة بذلك ، أعظمت ذلك وأنكرته ، قالت : أحدثك أنه سمع النبي ﷺ يقول هذا ؟
قال عروة : حتى إذا كان قابل قالت له : إن ابن عمرو قد قدم ، فالقه ، ثم فاتحه حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم ، قال : فلقيته فساءلته ، فذكره لي نحو ما حدثني به ، في مرته الأولى.
قال عروة : فلما أخبرتها بذلك ، قالت : ما أحسبه إلا قد صدق ، أراه لم يزد فيه شيئاً ولم ينقص.

أقول : لاحظ أم المؤمنين لا تكذِّب عبد الله بن عمرو فكيف تنصح به وهي تكذبه ولكنه لما روى هذا الحديث العجيب طلبت زيادة تثبت وسنت لأهل الحديث سنة وكان شعبة يطبق هذه السنة في اختبار الشيوخ

ولاحظ الحديث لا علاقة له بخصوصية النساء ولكنها طلبت التثبت

المثال الثالث : في صحيح البخاري 1931 – حدثنا إسماعيل قال حدثني مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن كنت أنا وأبي فذهبت معه حتى دخلنا على عائشة رضي الله عنها قالت أشهد على رسول الله ﷺ إن كان ليصبح جنباً من جماع غير احتلام ثم يصومه

1932 – ثم دخلنا على أم سلمة فقالت مثل ذلك.

وسبب ذهابهم ودخولهم عليهن أن أبا هريرة حدث وحدث أيضاً الفضل بن عباس أن النبي ﷺ نهى عن الصيام في هذه الحال وهذا حكم منسوخ حدثت أمهات المؤمنين بنسخه واستدلوا على ذلك بفعل النبي ﷺ دون تنبيهه على الخصوصية وهذا مما لا يقبله كثير من متأخري الأصوليين ولكن المتقدمين الأصل في الأفعال عندهم عدم الخصوصية ورجع أبو هريرة لقول أمهات المؤمنين

المثال الرابع : في صحيح البخاري: [ 3978 ] – حدثني عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه قال ذكر عند عائشة رضي الله عنها أن ابن عمر رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم: إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله فقالت وهل إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه ليعذب بخطيئته وذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن قالت وذاك مثل قوله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على القليب وفيه قتلى بدر من المشركين فقال لهم ما قال إنهم ليسمعون ما أقول إنما قال إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق ثم قرأت { إنك لا تُسمع الموتى } { وما أنت بمُسمع من في القبور } يقول حين تبوءوا مقاعدهم من النار.

يلاحظ هنا أن المؤمنين صححت للصحابي خبرين الخبر الأول في أن الميت يعذب ببكاء أهله ، والواقع أن عامة أن العلم مالوا لكفة ابن عمر لأنه توبع وقد فهمت أم المؤمنين أن العذاب هنا عذاب الله على جهة المعاقبة على الذنب ومن أهل العلم من فهم فهمها هذا وقال بأن الميت يعذب ببكاء أهله إذا أوصاهم بذلك ، ومنهم من قال العذاب هنا ليس العذاب العقوبة وأنما يعذب بمعنى إذا سمع تألمهم يتألم كما في حديث ( السفر قطعة من العذاب )

فيلاحظ هنا أن أم المؤمنين ما أنكرت أصل الحديث وإنما خصصته بالكافر والخلاف لفظي بينها وبين الطرف الآخر فإن الكل مجمع على أن المرء إذا أوصى بالنياحة يكون شريكاً بالإثم وهذا كانت تفعله العرب والكل متفق على أنه لا يعذب العذاب الذي فيه النكال إذا لم يكن له ذنب

وأما الخبر الآخر فأيضاً العلماء مالوا إلى كفة بقية الرواة لأنهم توبعوا ولأنه ورد خبر في سماع الميت لقرع نعال المشيعين وحملوا ذلك على خصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم في أهل القليب مع إيمان الجميع بظاهر الكتاب

  • إذا فهمت كل ما سبق تفهم ما روي في الصحيح 511 – حدثنا إسماعيل بن خليل حدثنا علي بن مسهر عن الأعمش عن مسلم يعني ابن صبيح عن مسروق عن عائشة أنه ذكر عندها ما يقطع الصلاة فقالوا يقطعها الكلب والحمار والمرأة قالت: لقد جعلتمونا كلابا لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وإني لبينه وبين القبلة وأنا مضطجعة على السرير فتكون لي الحاجة فأكره أن أستقبله فأنسلُّ انسلالاً

فيلاحظ هنا أن أم المؤمنين ما أنكرت الحديث كاملاً وما أنكرت إلا لمّا وُجد عندها معارض للخبر في شأن المرأة وهذا ليس لنفَس فيه تعصب لجنس الإناث وإنما لأنها قام عندها معارض وإلا هي تعلم قول الله : { زُين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة } ومعلوم أن النساء والبنين لا يساوون الأخريات من كل وجه

فهي إما ظنت نسخ الحديث كما حصل في حديث “من يصبح جنباً” أو ظنت وهم الراوي ( هذا إن ثبت أنها تعلم أنه حديث وسيأتي أنه لا يوجد دليل أنها تعلم بذلك )

فالقطع نوعان : قطع بمعنى فساد الخشوع أو الشتات وعلى هذا المعنى كثير من العلماء ورأوا أن ذكر هذه الثلاثة من باب ضرب المثل بالأشد وهذا لا ينازع فيه أحد أن مرور المرأة من أمام الرجل يحصل له هذا ، والقطع بمعنى فساد الصلاة وهذا المعنى الذي نازعت فيه أم المؤمنين ولم تعترض على ثبوته في الكلاب والحمير فكأنها ظنت أن الراوي سمع النبي ﷺ يتكلم عن قطع الكلاب والحمير بالمعنى الثاني ثم تكلم عن القطع بالمعنى الأول في النساء فجمع بينها في خبر واحد

غير أن هذا الحديث رواه جماعة وذكروا له ألفاظاً ومن العلماء من جمع فقال : اعتراض المرأة بين يدي الرجل غير مرورها هذا إن ثبت أن الأمر عندها حديث وسيأتي أنها لا تدري أنه حديث وظنته قياساً

ولكن المفاجأة أن أم المؤمنين في عموم الروايات لم يُذكر لها الحديث على أنه رواية عن رسول الله ﷺ بل ذُكر على أنه فتيا فقيه من الصحابة لهذا قوي عندها أن تعترض بما ثبت عندها عن النبي ﷺ.

وإليك الروايات ففي الرواية البخاري السابقة ( فقالوا ) ولم يرفعوا الأمر للنبي ﷺ

وفي صحيح مسلم 1077- [269-…] وحدثني عمرو بن علي ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي بكر بن حفص ، عن عروة بن الزبير ، قال : قالت عائشة : ما يقطع الصلاة ؟ قال : فقلنا المرأة والحمار . فقالت : إن المرأة لدابة سوء لقد رأيتني بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم معترضة ، كاعتراض الجنازة وهو يصلي.

فهنا عروة ذكر الخبر من قوله هو ولم يذكره باللفظ المروي عن النبي ﷺ فلم يذكر الكلب أصلاً وهذا كثير مشهور أن يفتي الصحابي بحديث عن رسول الله ﷺ فيظن بعض الناس أنه قاله قياساً فينكر عليه ثم تظهر من روايات صحابي آخر أن الأمر مرفوع للنبي ﷺ.

وقد حصل لعطاء نحواً مما حصل لعائشة ففي مسند أحمد 25248 – ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ ثنا داود عن إبراهيم عن عطاء قال : سمعت أنه يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة الحائض. قال عطاء : حدثني عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى وهي معترضة بين يديه.

فلاحظ قوله ( سمعت أنه ) ولم يذكر أنه روي عن رسول الله ﷺ وإنما ذكر أنه كلام يتناقل فربما رُوي عنده بسند مرسل لا يصح أو رُوي على أنه فتيا فقيه من الصحابة أو التابعين

وفي رواية في مسند أحمد : ( بلغها أن ناساً يقولون يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة ) ولم يقل : بلغها حديثاً عن رسول الله يقول هذا وإنما فتيا أناس.

وقد حصل لابن عمر نحواً مما حصل لعائشة ففي مصنف ابن أبي شيبة 2902- حدثنا ابن عيينة ، عن الزهري ، عن سالم ؛ أن ابن عمر قيل له : إن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة يقول : يقطع الصلاة الحمار والكلب ، فقال : لا يقطع صلاة المسلم شيء.

فهنا ابن عمر جاءه الخبر على هيئة فتيا تابعي لذا عارضه والتابعي نفسه قد لا يعلم أن في الأمر حديثاً مرفوعاً ولكنه تلقى ذلك عن والده أو عن صحابي فقيه يثق به لقنه ذلك ويكون الحديث الفاصل في جعبة صحابي وقف عليه بعض الموفقين وعرف أصل الفتيا كما أن أبا بكر استنبط قتال تاركي الصلاة من قياس الصلاة على الزكاة مع أن النص المبيح كان عند بعض الصحابة ولو حفظه الصديق لما احتاج أن يستدل على عمر بالقياس أو عموم ( إلا بحقها )

واعتراض أم المؤمنين له مأخذ فقهي دقيق وذلك أن النساء يكثر دخولهن وخروجهن للحاجة أمام الرجال فالقياس على الحمير والكلاب ضعيف غير أنك علمت أن مأخذ الحكم النص لا القياس ورواية الخبر في المرأة الحائض مع الاختلاف في معنى القطع ولو حمل على قطع الخشوع لهان الخطب جداً وهذا مذهب الكثير والراجح عندي خلافه

وهنا تنبيه وهي أن الفقيه قد يقول بقول وتكون عنده شبهة إذ لم تبلغه الأدلة ولا يجوز لمن بلغته الأدلة أن يقلده على زلته.