التحذير من انتقاص أمهات المؤمنين بحجة الدفاع عن سيد المرسلين

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فلا يخفى ما يقوله المستشرقون وأذنابهم في النبي صلى الله عليه وسلم ، مما يثقل على المؤمن ذكره

 غير أن بعض من يتصدى للرد على شبهاتهم يكون فيه انهزامية شديدة يسلم خلالها بأمور ما ينبغي التسليم بها

فمن ذلك ما يذكره بعض الناس عند الدفاع عن مسألة تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم

 فيقول : ( أن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم كن كلهن عجائز ! إلا قليلاً )

 أو يقول ( ان النبي صلى الله عليه وسلم تزوجهن من أجل أن أزواجهن ماتوا في الغزوات جبراً لخواطرهن )

 أو يقول ( أنه تزوجهن تألفاً لأقوامهن )

وهذه العبارات مع كونها لم تؤثر عن السلف ( فيما أعلم ) فيها مكابرة للنصوص وفي بعضها إن لم يكن كلها إساءة لأمهات المؤمنين

فإنك إذا قلت في امرأة ( ليس فيها ما رغب زوجها في نكاحها إلا مواساتها أو تأليف قومها ) كان في ئلك تجريد لها من كل كمال يرغب فضلاء الرجال بعفيفات النساء ، كالتقوى والوضاءة وطيب المعشر وحسن المنطق وغيرها من الصفات التي حازتها أمهات المؤمنين أو حزن معظمها

وهذه العلل المذكورة من زواج النبي صلى الله عليه وسلم بأمهات المؤمنين إن سلمنا صحتها فلا ينفي وجود علل أخرى ألهم الله عز وجل نبيه أن يتزوج أولئك النسوة من أجلها

فحسن عائشة رضي الله عنها غير خاف مع ما لها من الفضائل العظيمة الأخرى ، وقد ذكرت طرفاً منها في مقال ( سلامة صدر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها )

قال الخلال في السنة 752: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ , عَنْ عِيسَى جَارٍ لِمَسْرُوقٍ قَالَ : قَالَ مَسْرُوقٌ : لَوْلاَ بَعْضُ الأَمْرِ لأَقَمْتُ عَلَى عَائِشَةَ الْمَنَاحَةَ . قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ : قَالَ أَبِي _ يعني أحمد ابن حنبل _ : وَكَانَتْ عَائِشَةُ يُقَالَ إِنَّهَا شَقْرَاءُ بَيْضَاءُ , رَحِمَهَا اللَّهُ.

قال أحمد في مسنده 26365 : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ:

 لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَايَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ فِي السَّهْمِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ – أَوْ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ – وَكَاتَبَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا، وَكَانَتْ امْرَأَةً حُلْوَةً مُلَاحَةً لَا يَرَاهَا أَحَدٌ إِلَّا أَخَذَتْ بِنَفْسِهِ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْتَعِينُهُ فِي كِتَابَتِهَا

 قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُهَا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي فَكَرِهْتُهَا، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَرَى مِنْهَا مَا رَأَيْتُ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ سَيِّدِ قَوْمِهِ، وَقَدْ أَصَابَنِي مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ، فَوَقَعْتُ فِي السَّهْمِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ – أَوْ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ – فَكَاتَبْتُهُ عَلَى نَفْسِي، فَجِئْتُكَ أَسْتَعِينُكَ عَلَى كِتَابَتِي. قَالَ:  فَهَلْ لَكِ فِي خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟  .

 قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَقْضِي كِتَابَتَكِ وَأَتَزَوَّجُكِ» قَالَتْ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ:  قَدْ فَعَلْتُ  . قَالَتْ: وَخَرَجَ الْخَبَرُ إِلَى النَّاسِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، فَقَالَ النَّاسُ: أَصْهَارُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرْسَلُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ، قَالَتْ: فَلَقَدْ أَعْتَقَ بِتَزْوِيجِهِ إِيَّاهَا مِائَةَ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَمَا أَعْلَمُ امْرَأَةً كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا

فانظر كيف وصفت عائشة جويرية بأنها كانت ( حلوة ملاحة ) أي حسنة المنظر حسنة المنطق وذكرت أن ذلك سبب زواج النبي صلى الله عليه وسلم بها

وقد اتفق عقلاء بني آدم على أن الرجل الفاضل هو الذي إذا رأى امرأة عفيفة وأعجبته سعى في نكاحها فيما أحل الله له

ولا يذم إلا من يميل للفاجرات ، أو من كان به عنة أو برود أو ما قاربهما

ولا ينافي هذا الزهد في الدنيا ، فإن المرء مهما كان زاهداً فلا بد له أن يأخذ من الدنيا ما يتبلغ به

 وهذا يقال في آحاد الصالحين

وأما خير الخلق فزيادة على ذلك هو لا ينطق عن الهوى ، ولا يفعل عن الهوى بل كل ذلك لله عز وجل فيه الحكم البالغة ، ولكن لا يبلغن بأحد اجتهاده في تعيين الحكمة إلى التكلم بانتقاص أمهات المؤمنين أو مكابرة النصوص الصحيحة

وما أحسن ما قال القاضي عياض في الشفاء (1/87) :” والضرب الثاني ما يتفق التمدح بكثرته والفخر بوفوره كالنكاح والجاه.

أما النكاح فمتفق فيه شرعا وعادة فإنه دليل الكمال وصحة الذكورية ولم يزل التفاخر بكثرته عادة معروفة والتمادح به سيرة ماضية، وأما في الشرع فسنة مأثورة، وقد قال ابن عباس: أفضل هذه الأمة أكثرها نساء، مشيرا إليه صلى الله عليه وسلم وقد قال صلى الله عليه وسلم (تناكحوا تناسلوا فإنى مباه بكم الأمم) ونهى عن التبتل مع ما فيه من قمع الشهوة وغض البصر اللذين نبه عليهما صلى الله عليه وسلم بقوله (من كان ذا طول فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج) حتى لم يره العلماء مما يقدح في الزهد، قال سهل ابن عبد الله: قد حببن إلى سيد المرسلين فكيف يزهد فيهن ؟ ونحوه لابن عيينة، وقد كان زهاد الصحابة رضى الله عنهم كثيري الزوجات والسراري كثيري النكاح، وحكى في ذلك عن على والحسن وابن عمر وغيرهم غير شئ، وقد كره غير واحد أن يلقى الله عزبا. “

وقال البخاري في صحيحه 2235 : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

 قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْحِصْنَ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا وَكَانَتْ عَرُوسًا فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ. وذكر الحديث

فتأمل قوله ( ذكر له جمال صفية )

وقالت عائشة في زينب بن جحش (وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي) يعني في الحسن

وهذا لا يعني أن هذه هي العلة الوحيدة في زواج النبي صلى الله عليه وسلم من أمهات المؤمنين بل كلهن ذكر عنهن التقوى والورع

فزينب بنت جحش تورعت عن القول في عائشة مع أنها ضرتها وقالت عائشة عنها ( عصمها الله بالورع )

مع ما في قوله تعالى ( فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أدعيائهم إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ) فهذه حكمة من الحكم

وقالت عائشة في زينب بن جحش :” وَلَمْ أَرَ امْرَأَةً خَيْرًا مِنْهَا، وَأَكْثَرَ صَدَقَةً، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَبْذَلَ لِنَفْسِهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ زَيْنَبَ، مَا عَدَا سَوْرَةً مِنْ غَرْبٍ حَدٍّ كَانَ فِيهَا، تُوشِكُ مِنْهَا الْفِيئَةَ” رواه أحمد بسند صحيح

وأما ميمونة بنت الحارث فقال الحارث ابن أبي أسامة في مسنده كما في بغية الباحث 455 : حَدَّثَنَا كَثِيرٌ، ثنا جَعْفَرٌ، ثنا يَزِيدُ يَعْنِي ابْنَ الْأَصَمِّ قَالَ: تَلَقَّيْتُ عَائِشَةَ أَنَا وَابْنُ عُمَرَ وَطَلْحَةُ وَهُوَ ابْنُ أُخْتِهَا وَقَدْ كُنَّا وَقَعْنَا فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ فَأَصَبْنَا مِنْهُ فَبَلَغَهَا ذَلِكَ فَأَقْبَلَتْ عَلَى ابْنِ أُخْتِهَا تَلُومُهُ وَتَعْذِلُهُ ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيَّ فَوَعَظَتْنِي مَوْعِظَةً بَلِيغَةً , ثُمَّ قَالَتْ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ سَاقَكَ حَتَّى جَعَلَكَ فِي بَيْتِ نَبِيِّهِ، ذَهَبَتْ وَاللَّهِ مَيْمُونَةُ وَرُمِيَ بِرَسَنِكَ عَلَى غَارِبِكَ , أَمَا إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ أَتْقَانَا لِلَّهِ، وَأَوْصَلِنَا لِلرَّحِم.

وأما أم سلمة فكانت مضرب مثلٍ في رجاحة العقل ، وحسن المنطق والصبر على البلاء

قال مسلم في صحيحه 3 – (918) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ، عَنْ ابْنَ سَفِينَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ:

 مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}، اللهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا “، قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ

 قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟

 أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا، فَأَخْلَفَ اللهُ لِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ يَخْطُبُنِي لَهُ

 فَقُلْتُ: إِنَّ لِي بِنْتًا وَأَنَا غَيُورٌ، فَقَالَ: أَمَّا ابْنَتُهَا فَنَدْعُو اللهَ أَنْ يُغْنِيَهَا عَنْهَا، وَأَدْعُو اللهَ أَنْ يَذْهَبَ بِالْغَيْرَةِ.

وأما زينب بنت خزيمة فكانت تسمى أم المساكين من كثرة ما تتصدق وقد ماتت وهي في الثلاثين من عمرها فلم تكن ( عجوزاً ) كما في بعض المناهج الدراسية

وأما سودة بنت زمعة فتلك الخيّرة التي بلغ من تقواها أن تنازلت عن ليلتها لأم المؤمنين عائشة على أن يستبقيها النبي صلى الله عليه وسلم حرصاً على رضاه ، وعلى بقائها في كنفه

وأما حفصة بنت عمر فحدث ولا حرج فتلك الصوامة القوامة ابنة أبيها

وأما أم حبيبة ففي كونها من المهاجرات الأول خلافا ، وكانت تقية عظيمة الابتهال

قال مسلم في صحيحه 33 – (2663) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ – وَاللَّفْظُ لِحَجَّاجٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا وقَالَ حَجَّاجٌ: حَدَّثَنَا – عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْيَشْكُرِيِّ، عَنْ مَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ:

 اللهُمَّ مَتِّعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

إِنَّكِ سَأَلْتِ اللهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَآثَارٍ مَوْطُوءَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَا يُعَجِّلُ شَيْئًا مِنْهَا قَبْلَ حِلِّهِ، وَلَا يُؤَخِّرُ مِنْهَا شَيْئًا بَعْدَ حِلِّهِ، وَلَوْ سَأَلْتِ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ، وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ لَكَانَ خَيْرًا لَكِ

 قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ، هِيَ مِمَّا مُسِخَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا، أَوْ يُعَذِّبْ قَوْمًا، فَيَجْعَلَ لَهُمْ نَسْلًا، وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ»

وما من واحدة من أمهات المؤمنين إلا ولها من الفضائل ما يصلح أن يكون تعليلاً لزواج النبي صلى عليه وسلم منها ، وهو أقوى أثراً ونظراً مما يذكره بعض المعاصرين مما قدمت ذكره

قال الله تعالى (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا)

فقدم في الذكر في صفة النساء اللواتي سيتزوجهن النبي صلى الله عليه وسلم ما يتعلق بالتقوى من التوبة والقنوت والعبادة وأخر ذكر الصفات الخلقية ككونها ثيباً أو بكراً

وقوله ( يبدله ) نسب فيه الفعل لنفسه عز وجل مما يدل على أنه سبحانه يصطفي لنبيه زوجاته

قال أحمد في مسنده 3600 : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:  إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ، فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ»

أقول : فإذا كان الله عز وجل اختار له أصحابه ، أفلا يكون اختار له زوجاته

وهذا التعليل في تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو أنهن مع ما فيهن من صفات رغبت النبي صلى الله عليه وسلم في نكاحهن فإن الله عز وجل أراد تكريمهن بهذه الرتبة المنيفة ، هذا التعليل خيرٌ من عامة ما يذكر الناس في هذا الباب من التعليلات

ولو أراد الله عز وجل أن يكرم خير خلقه بالزواج من ألف امرأة ، فلا يسأل سبحانه عما يفعل وهم يسألون

وما ذكره البعض من أن سبب كثرة زوجات النبي صلى الله عليه وسلم هو حفظ السنة ، فهذا فيه بعد لأن عدداً من أمهات المؤمنين قليلات الرواية جداً ، بل بعضهن لا رواية لها البتة

وقد ذكر بعض أهل العلم في طوافه صلى الله عليه وسلم عليهن وهن تسعة في يوم واحد ، دليلاً من دلائل النبوة ، لأنه صلى الله عليه وسلم مع ما ذكر من قلة طعامه وتقلله ، فإن قدرته هذه على الجماع من آيات الله عز وجل فيه

قال البخاري في صحيحه 5374 : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَعَامٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ

وقال أيضاً 5416 : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ الْبُرِّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ.

والخلاصة أنه ما ينبغي الكلام في أمهات المؤمنين بما فيه انتقاص لهن ، او ليس عليه دليل من أجل إرضاء أولئك الكلاب

 فعامتهم من اليهود والنصارى عندهم فيما يسمونه بالكتاب المقدس في سفر الأيام الإصحاح الثاني فقرة 18_ 21 أن رحبعام بن سليمان النبي وكان نبياً تمتع بستين سرية وتزوج ثمانية عشر امرأة .

وهناك نصوص أخرى في تعدد الزوجات والسراري عندهم بسطتها في مقال مستقل بعنوان (تعدد الزوجات والسراري في الكتاب المقدس عند النصارى )

بل هم ينسبون أنبياء الله عز وجل الذين يعتقدون نبوتهم كيهوذا ولوط وداود إلى الزنا والعياذ بالله ؟

فهذا أهون في الرد عليهم من تقحم ذاك الطريق الوعر

هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم