التحذير من إشاعة الفاحشة بين المؤمنين ولو على سبيل الوعظ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

قال الله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ
فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ )

قال البخاري في صحيحه 2442 : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا
اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ
اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

 الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ
لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي
حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً
مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ

قال ابن أبي حاتم في تفسيره 15076: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ
فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ, ثنا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَعْوَرُ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ,
عَنْ عَطَاءٍ, قَالَ:

مَنْ أَشَاعَ الْفَاحِشَةَ, فَعَلَيْهِ النَّكَالُ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا
.

قال ابن أبي الدنيا في الصمت 261 : حدثنا أحمد بن جميل ، أنا ابن المبارك
، أنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن شبيل بن عوف رحمه الله ، قال :

 كان يقال : من سمع بفاحشة فأفشاها
فهو كالذي أبداها .

شبيل تابعي مخضرم ، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره

وقال البخاري في الأدب المفرد 324: حَدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى،
قَالَ: حَدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدثنا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ
أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ
حَسَّانَ بْنِ كُرَيْبٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ:

 الْقَائِلُ الْفَاحِشَةَ، وَالَّذِي
يُشِيعُ بِهَا، فِي الإِثْمِ سَوَاءٌ.

حسان بن كريب ذكره ابن حبان في مشاهير علماء الأمصار وقال :” من جلة
تابعي مصر ” ، وروى عنه جمع من الثقات

ومن إشاعة الفاحشة ما تفعله بعض المجلات والجرائد ، التي تخصصت بنشر أخبار
الجرائم وهذا لا شك أنه من إشاعة الفاحشة وإن كانت حقاً ، فكيف وهذه تقتات على الأكاذيب
في عامة أحوالها

ومن إشاعة الفاحشة ما تنشره القنوات الإخبارية خصوصاً في أيام الثورات
، من حصول حالات اغتصاب هنا أو هناك .

 وهذه لو تكلم فيها ثلاثة من العدول
لما جاز نشرها فكيف بما تنشره القنوات الإخبارية المشهورة بالكذب والفسق .

 وقد قال الله عز وجل ( يا أيها
الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) ، وأمر الفروج عظيم فحد الزنا هو الحد الوحيد
الذي لا يثبت إلا بأربعة شهود حضاً على ستر المسلمين وعدم إشاعة الفاحشة

وقال ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة (1/117) في ترجمة الوزير ابن هبيرة
نقلاً عن ابن الجوزي :” وسمعته – يعني ابن هبيرة – يقول لبعض من يأمر بالمعروف:
اجتهد أن تستر العصاة فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسلام، وأولى الأمور ستر العيوب”

وبمثل هذا ينصح الذين يعملون في هيئات الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر
أو الشرط .

 فإنك إذا جالست بعضهم صار يحدثك
بما رأيت عينيه وسمعت أذنيه مما يرى من الفواحش وغيرها ، ولا شك أن هذا من إشاعة الفاحشة

وأقبح صور نشر الفاحشة ما يقع من بعض الدعاة من نشر قصص الزناة والفجرة
والمدمنين من باب وعظ الناس ، وهذا مع كونه انحرافاً عن منهج السلف في الوعظ ، هو أيضاً
من نشر الفاحشة بين المسلمين

وقد أغنى الله عز وجل من أراد وعظ الناس ، بزواجر الكتاب والسنة عن تلك
القصص التي لا يعرف صحة كثيرٍ منها

قال الله تعالى : (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ
الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ )

وقال تعالى : (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ )

وقال البرذعي في سؤالاته لأبي زرعة (2/ 561) :” شهدت أبا زرعة سئل
عن الحارث المحاسبي وكتبه فقلت للسائل إياك وهذه الكتب هذه كتب بدع وضلالات عليك بالأثر
فإنك تجد فيه ما يغني عن هذه الكتب قيل له في هذه الكتب عبرة قال من لم يكن له في كتاب
الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة بلغكم أن مالك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي
والأئمة المتقدمين صنفوا هذه الكتب في الخطوات والوساوس وهذه الأشياء هؤلاء قوم خالفوا
أهل العلم فأتونا مرة بالحارث المحاسبي ومرة بعبد الرحيم الدبيلي ومرة بحاتم الأصم
ومرة بشقيق البلخي ثم قال ما أسرع الناس إلى البدع “

تأمل قوله (من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة
) وما فيه من رد من على من يعظون الناس بالسماع الصوفي ( الأناشيد ) ، ومن يعظونهم
بالقصص التي فيها تفصيل أحوال الفساق الذين أمرنا بالستر عليهم في حال عدم مجاهرتهم

بل ويتفنن بعضهم في وضع العناوين التي تشير إلى كشف الأستار ووجود الفضائح
في الشريط مثل ( عندما ينتحر العفاف )!

قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة (1/89) :” قال بعض السلف ان الفقيه
من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يؤمنهم مكر الله ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى ماسواه”

فتأمل قوله (ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى ماسواه ) و ما فيه من رد على
الأصناف المذكورة

ومن عدم الستر على المسلمين ما يفعله بعض مغسلي الموتى من الخروج في بعض
البرامج التلفزيونية والكلام على أحوال الذين غسلهم ، ومن غسلهم أناس معروفون فيذهب
إلى أذهان بعض الناس أن هذا الذي يتكلم عنه هو ميتهم

وقال ابن عثيمين في الشرح الممتع (5/207) :” قوله: “وعلى
الغاسل ستر ما رآه إن لم يكن حسنا” ، أي: على غاسل الميت ستر ما رآه من الميت
إن لم يكن حسنا، فربما يرى منه ما ليس بحسن، إما من الناحية الجسدية، وإما من الناحية
المعنوية، فقد يرى – والعياذ بالله – وجهه مظلما متغيرا كثيرا عن حياته، فلا يجوز أن
يتحدث إلى الناس، ويقول: إني رأيت وجهه مظلما؛ لأنه إذا قال ذلك ظن الناس به سوءا.

وقد يكون وجهه مسفرا حتى إن بعضهم يرى بعد موته متبسما فهذا لا يستره.

أما السيء من الناحية الجسدية: فإن الميت قد يكون في جلده أشياء من التي
تسوؤه إذا اطلع الناس عليها، كما قال الله تعالى في قصة موسى: ( تخرج بيضاء من غير
سوء) أي: قد يكون فيه برص يكره أن يطلع الناس عليه، فلا يجوز للإنسان أن يقول: رأيت
فيه برصا، وقد يتغير لون الجلد ببقع سوداء، والظاهر – والله أعلم – أنها دموية، فلا
يذكرها للناس بل يجب أن يسترها.

قال العلماء : إلا إذا كان صاحب بدعة، وداعية إلى بدعته ورآه على وجه مكروه،
فإنه ينبغي أن يبين ذلك حتى يحذر الناس من دعوته إلى البدعة؛ لأن الناس إذا علموا أن
خاتمته على هذه الحال، فإنهم ينفرون من منهجه وطريقه، وهذا القول لا شك قول جيد وحسن؛
لما فيه من درء المفسدة التي تحصل باتباع هذا المبتدع الداعية، وكذا لو كان صاحب مبدأ
هدام كالبعثيين والحداثيين “

وكلامه هنا يشير إلى أن المبتدع لا يستر عليه ، بخلاف أصحاب المعاصي
الشهوانية فإن المبتدع يتدين ببدعته ويشيعها بين الناس

وقد يرى المغسل أمراً يراه نقصاً في الميت وليس كذلك

قال أبو داود في مسائله عن أحمد ص211 _ثَنَا عَبَّاسٌ ثَنَا سُلَيْمَانُ
بْنُ حَرْبٍ، قَالَ ” رَأَيْتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ يُكَفِّنُ عَلَى السَّرِيرِ
الَّذِي يَغْسِلُ عَلَيْهِ، وَضَعَ حَبِيرًا كَمَا قُلْتُ لَكَ، ثُمَّ أَزَاحَهُ لِيُكَفِّنَ
عَلَى السَّرِيرِ غَيْرَهُ.

قَالَ حَمَّادٌ: وَدَخَلْتُ أَنَا وَجَرِيرٌ، يَعْنِي: ابْنَ حَازِمٍ عَلَى
مَيِّتٍ نُغَسِّلُهُ، فَإِذَا هُوَ أَسْوَدُ مِنَ الدُّخَانِ وَكَانَ كِسَفًا، فَدَعَيْنَا
بِالْأَشْنَانِ، فَأَلْقَيْنَا فِي السِّدْرِ الْغَلِيظِ، ثُمَّ دَلَّكْنَاهُ، قَالَ:
فَكَأَنَّمَا كَانَ مُوسَى، فَخَرَجَ أَبْيَضَ “.

أقول : فهذا الذي رأوه أسوداً لو رآه أحد القصاص اليوم لذهب إلى أهله وقال
لهم ( ماذا كان يصنع؟ ) ، ربما كان سواده بسبب احتقان الدم أو من الدخان كما ذكر في
هذه الرواية

وذكر ما يرى من الميت مخالفٌ لستر المسلمين ، ولو لم يعين الميت فإن عدم
التعيين قد يكون أضر من التعيين ، لأن كل قوم سيشكون في أن ذلك الرجل ميتهم

ونظير هؤلاء الذين إذا قبضوا على ساحر طلبوا منه أن يصور طقوسه الخاصة
التي يستحتضر بها الشياطين ، ويصورونه على هذه المظاهر الشركية التي يكفي في الشرع
اعترافه بها بلسانه .

 ويؤذون المؤمنين بمثل هذه الصور
وكذلك صور المصاحف المدنسة وغيرها

والتصوير في نفسه محرم فكيف بتصوير مثل هذا ؟

هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم