نقد شيخ الإسلام لقولهم ( إخلاف الوعيد جائز على الله )

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن عدداً من أهل العلم عند ردهم على الاستدلال المعتزلة والخوارج يستدلون
بالبيت المعروف

نبئت أن رسول الله أوعدني … والعفو عند رسول الله مأمول

وبالبيت الآخر

وإني وإن أوعدته أو وعدته *** لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

على أن إخلاف الوعيد ليس بذم ولذا هو يجوز على الله عز وجل ، غير أن شيخ
الإسلام رأى أن هذا الجواب فيه ضعف

قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى (14/489) :” وَهُوَ سُبْحَانَهُ
لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ. يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {لَا تَخْتَصِمُوا
لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ} {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ
وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ قَدَّمَ إلَيْهِمْ
بِالْوَعِيدِ وَقَالَ: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ
صَادِقٌ فِي وَعِيدِهِ أَيْضًا وَأَنَّ وَعِيدَهُ لَا يُبَدَّلُ. وَهَذَا مِمَّا احْتَجَّ
بِهِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ فُسَّاقَ الْمِلَّةِ لَا يَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ. وَقَدْ
تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

 لَكِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تُضْعِفُ
جَوَابَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ إخْلَافَ الْوَعِيدِ جَائِزٌ. فَإِنَّ قَوْلَهُ: {مَا يُبَدَّلُ
الْقَوْلُ لَدَيَّ} بَعْدَ قَوْلِهِ: {وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ} دَلِيلٌ
عَلَى أَنَّ وَعِيدَهُ لَا يُبَدَّلُ كَمَا لَا يُبَدَّلُ وَعْدَه”

فما هو الجواب المناسب عند شيخ الإسلام بعد أن ضعف هذا الجواب ؟

قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى (12/ 482) :” والتحقيق أن يقال
الكتاب والسنة مشتمل على نصوص الوعد والوعيد كما ذلك مشتمل على نصوص الأمر والنهي وكل
من النصوص يفسر الآخر ويبينه فكما ان نصوص الوعد على الأعمال الصالحة مشروطة بعدم الكفر
المحبط لأن القرآن قد دل على أن من ارتد فقد حبط عمله فكذلك نصوص االوعيد للكفار والفساق
مشروطه بعدم التوبة لأن القرآن قد دل على أن الله يغفر الذنوب جميعا لمن تاب وهذا متفق
عليه بين المسلمين فكذلك في موارد النزاع

فإن الله قد بين بنصوص معروفة ان الحسنات يذهبن السيئات وان من يعمل مثقال
ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وانه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه وان مصائب
الدنيا تكفر الذنوب وانه يقبل الشفاعة النبي في أهل الكبائر وانه لا يغفر أن يشرك به
ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء كما بين ان الصدقة يبطلها المن والأذى وان الربا يبطل العمل
وانه إنما يتقبل الله من المتقين أي في ذلك العمل ونحو ذلك

فجعل السيئات ما يوجب رفع عقابها كما جعل للحسنات ما قد يبطل ثوابها لكن
ليس شيء يبطل جميع السيئات إلا التوبة كما انه ليس شيء يبطل جميع الحسنات الا الردة
إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا على الاطلاق والعموم ولا نشهد لمعين أنه
في النار لأنا لا نعلم لحوق الوعيد له بعينه لأن لحوق الوعيد بالمعين مشروط بشروط وانتفاء
موانع ونحن لا نعلم ثبوت الشروط وانتفاء الموانع في حقه فائدة الوعيد بيان أن هذا الذنب
سبب مقتض لهذا العذاب والسبب قد يقف تأثيره على وجود شرطه وانتفاء مانعه

يبين هذا أنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها
وحاملها والمحمولة إليه وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وآكل ثمنها وثبت عنه في صحيح
البخاري عن عمر أن رجلا كان يكثر شرب الخمر فلعنه رجل فقال النبي صلى الله عليه و سلم
لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله فنهى عن لعن هذا المعين وهو مدمن خمر لأنه يحب الله
ورسوله وقد لعن شارب الخمر على العموم “

وملخص جوابه أن نصوص الوعيد لا تفهم بمعزل عن نصوص الوعد التي دلت أن هناك
حسنات مكفرة تدفع هذا الوعيد وأن هناك عفو الله عز وجل فيكون من باب العموم والخصوص

والخلاصة ان نصوص الوعد ونصوص الوعيد لا تنزل على الأعيان إلا بعد توفر
الشروط وانتفاء الموانع

هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم