[ كتاب ] : طليعة المقنع في علل الحديث

في

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

كتاب رقمي

طليعة المقنع في علل الحديث

تصنيف : عبد الله بن فهد الخليفي

هذه طليعة ( المقنع في علل الحديث ) وهي ( زفرة الفرس الأخيرة ) كما يقال ، وشرطي في هذا المقنع ذكر الأحاديث المعلولة التي اشتهر بين الناس أنها صحيحة بناءً على تصحيح بعض أهل العلم المعاصرين لها ، وليعلم القاريء أنني تعرضت لأذية عظيمة بسبب شروعي في هذه الأبحاث ، وكنت قد اخترت إنزال الأبحاث التي من شرط المقنع منجمةً في الشبكات العنكبوتية عسى أن أجد تقويماً أو نصحاً أو تأييداً ، وتكاثرت الأبحاث المنشورة ولله الحمد والمنة حتى قاربت الخمسمائة والذي في هذه الطليعة هو ما لم ينشر في غالبه وهي قرابة المائة والخمسون حديثاً

وأحمد الله عز وجل على أن صرف همتي إلى البحث في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي ركن كثيرون في هذا الباب إلى التقليد أو البحث القليل ، أو الاشتغال بما لا ينفع أو المبالغة في الاشتغال في أمر مشروع ولكنه يشتغل به أكثر من اللازم

وقبل الشروع في هذه الطليعة لا بد من وقفة أوضح فيها عدد من المسائل التي ربما حالت دون البعض ودون قراءة هذا الكتاب

منذ بدأت بنشر بعض الأبحاث الحديثية شن عدد من الأخوة هجوماً علي والعجيب أن هذا الهجوم لم يكن مصحوباً بمناقشة الأبحاث العلمية ، وإنما اقترن بالاتهام بالعجلة والاتهام بالنية

وكثير منهم لم يكن له اهتمام بعلم الحديث أصلاً ، وغاية أمره أنه ألف شيئاً وكره تركه

وقد حاول بعض الأخوة مناقشة بعض الأبحاث وكان مصيباً في بعض ما ناقشني فيه ووافق على عدد من الأبحاث

وفي خضم الصراع والهجمة الشرسة التي تشن علي طلبت من الأخوة طلباً قلت فيه ائتوني بعشرة أبحاث لي أخطأت فيها يقيناً في المقدمة والنتيجة وأنا أعزف عن البحث بالكلية

ولم يكن في ذلك مني إنصاف لنفسي فإنه آنذاك كانت الأبحاث تقارب المائة ووجود خطأ في عشرة منها لا يقضي على البقية بالخطأ ولا على مسيرة الباحث بالاعدام ، ولكنني قلت الكلمة وانتهى الأمر

ومع كوني هذا التحدي المغري للإخوة لم أحظَ بما طلبت فازداد يقيني بصواب ما أنا عليه ، واستمررت بالأبحاث وكان عدد من الأخوة المهتمين يتابعون ويفيدون بما عندهم بل بعضهم كان يراجع بشكل دقيق ، وقد حظيت بعدد من الإفادات العلمية النافعة

وليعلم أن من ارتضى لنفسه التقليد ليس له أن يلزم غيره بذلك ، وليس له الحكم على جهد غيره فإن الحكم على جهود الناس يحتاج إلى علم وعدل

واعلم _ رحمك الله _ أن الباحث الذي بحث وبذل جهداً في بحثه ووصل إلى نتيجة معينة لا يمكن أن تثنيه عما في بحثه بالسب أو الشتم أو الاتهام بنيته بل لا بد من مقارعة الحجة بالحجة

وإلا إذا امتلأ الباحث يقيناً بصواب ما توصل إليه ووجد من سبقه من الأئمة ومن وافقه من الباحثين ، ثم وجد النتيجة الخاطئة منتشرة في الطرف المقابل فهذا لا يمكن إقناعه بعدم جدوى نشر بحثه إلا بإثبات خطئه

وما في هذه الطليعة والمقنع الأصل يقارب ستمائة بحث بذلت فيها جهداً الله وحده يعلم به ، لا أقتنع بمناقشة عشرة أو عشرين أو حتى خمسين بل لا بد من مناقشتها بحثاً بحثاً فما ثبت فيه خطئي فأنا شاكرٌ لك مستعد للتراجع ، وما ثبت لك فيه صوابي فلا أريد منك شكري ولا الثناء علي ، ولكن شاركني في إظهار الحق تقرباً إلى الله عز وجل لا إلى فلان أو فلان

والذي يقتضيه الانصاف لمن رأى هذه الأبحاث ورأى غضب بعض الناس لمجرد مخالفة العالم الذي يتعصب له

أن يقف موقف الإنصاف ويقول : ( أبحاث الأخ عبد الله قد خرجت وانتهى الموضوع ، فما كان منها صواباً وجب قبوله وإن لم نرتض طريقة الأخ ، وما ينبغي لكم أن تجعلوا مجرد مخالفته لعالم معين مثلبة في حقه فإنه إن خالف عالماً فقد وافق آخر أو اتبع قواعد علمية ، وما كان منها مجزوماً بخطئه فيه فإنه يجب عليه الرجوع عنها وترك العناد فإن أصر وعاند عومل بما يستحق ، وما كان متردداً وداخلاً في حيز مسائل الاجتهاد فهذا لا ينكر فيه إلا أهل التعصب والغلو )

هذا الكلام كنت أتمنى أن أسمعه من بعض من أحسن بهم الظن من طلبة العلم ، ولكن مع الأسف وجدنا عدة أمور لا تحمد

فمن متهم لك بالعجلة

وهذا جوابه أن يقال : علامة العجلة أن يغلط الباحث فأوقفني على موطن الخطأ حتى أصلحه ، وأشر إلى أي بحث تزعم أنني تعجلت فيه حتى أراجعه مرة واثنين وثلاثة

والله يعلم أن كثيراً من الأبحاث قد تمت مراجعته مرة واثنين وثلاثة ، بل المستور من الأبحاث أكثر من المنشور

ومن متهم لك أنك تريد إسقاط عالم معين

فيقال لهذا : هذا تسليم ضمني أن هناك خطأ موجوداً فإن الإسقاط إنما يكون بالأخطاء على أنني لا أسلم بهذه المقدمة فمسائل العلل في كثير منها اجتهادية ليست محل إسقاط ولا زال أهل العلم يتعقب بعضهم بعضاً في هذا الباب

فالدارقطني تعقب البخاري ومسلماً

وابن أبي حاتم تعقب البخاري

وللذهبي تعقبات كثيرة على غيره من الحفاظ في مصنفاته

بل بعض الحفاظ الذين اشتهر عنهم التساهل أو كثرة الوهم ، لا زالوا يذكرون بالحفظ والتقدم كابن حبان والحاكم

ولو خيرنا بين إقرار خطأ في الشريعة أو إسقاط عالم معين

لكانت الشريعة هي المقدمة على أن هذا لا يلزم كما قدمت لك

وليعلم أن بعض الناس يخيرك بين الطعن في العالم أو السكوت على خطئه

والحق أن هناك خياراً ثالثاً لا يتنبه له هؤلاء ، وهو بيان خطأ العالم بعلم وأدب

على أنني أستطيع أن أجابه هؤلاء الأخوة بالمثل وأجمع لهم أسماء العلماء الذين يخالفونهم في عدة أحاديث وفي هذه الطليعة حظ وافر منها ، وأتهمهم بالطعن في هؤلاء العلماء

واعلم رحمك الله أن الخطأ إذا كان موجوداً فإنه سيبين عاجلاً أم آجلاً فلا يفيدك محاولة تأخير هذا ، بل لو حابيتك وسكت الآن فإنني لا ألبث إلا وسأظهر ما عندي بعد ذلك لأنني أعتقد أن قولي صواب ، وأرى أناساً يسيرون على الخطأ بل بعضهم يتعصب لذلك

وبعضهم يتهمك في نيتك وأنك تطلب الشهرة

وهذا يقال له : أما إنني لو كنت أطلب الشهرة بسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إنني إذن لرجل سوء ، وشري على نفسي والسكوت عن الخطأ شره على العامة ، ولا يجوز لك رد الحق مني ولو علمت أن هذه نيتي

وعندما أقول لا بد من رد الخطأ وبيانه فلا أريد التعصب والمماحكة بل أريد شخصاً يبحث في الحديث لا يهمه تصويب فلان أو تغليط وإنما يهمه معرفة ما إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الكلام أم لم يقله ، ثم من أصاب بعد ذلك في الحكم أو أخطأ هذا بحث ثانوي

ولعل محباً سيقول : أخي عبد الله قد كان عدد من الأخوة يحبونك ولكنهم نفروا منك بسبب هذه الأبحاث الحديثية ، فمالك ولهذا الأمر الذي جر عليك ما جر واستغله أهل الفتن

فأقول : أما من كان ثمن مودته السكوت عن كلمة الحق فأبعد الله تلك المودة ، وإنني وإياهم عما قريب نازلون في حفرنا حيث لا ينفع المرء مودة الوادين ولا بغض المبغضين إلا ما كان بسبب شرعي متين

وإن قدري عند نفسي أحقر من أن يسكت عن كلمة الحق من أجلها ، ولو كانت هذه الأحاديث في الطليعة والمقنع عشرة أحاديث فقط لكان زهيداً في حقها أن أخسر كل الأحباب والأصحاب ، وأحتسب ذلك عند الله عز وجل من أجلها فكيف وهي بهذا العدد

فهذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم لو تركته وآثرت العاجلة لكنت مولياً ظهري للسلفية التي أدعي

وما هذه الدنيا وكل زخرفها إلا أنفاس وتنتهي ونسير بعد ذاك إلى من لا يظلم عنده أحد سبحانه وتعالى

وأنا نفسي كنت معتقداً لصحة كل هذه الأحاديث تقليداً أو قلة تحقيق ، ومن شكران نعمة الله عز وجل علي أن أشارك إخواني طلاب الفائدة ، فيما توصلت إليه وأما من يركب رأسه ويكتفي بالنظر للأسماء فلا شأن لي معه

وأختم هذه المقدمة بكلمة جليلة للحافظ ابن القيم _ رحمه الله تعالى _

قال ابن القيم في مدارج السالكين (2/137) :” ولولا أن الحق لله ورسوله وأن كل ما عدا الله ورسوله فمأخوذ من قوله ومتروك وهو عرضة الوهم والخطأ : لما اعترضنا على من لا نلحق غبارهم ولا نجري معهم في مضمارهم ونراهم فوقنا في مقامات الإيمان ومنازل السائرين كالنجوم الدراري ومن كان عنده علم فليرشدنا إليه ومن رأى في كلامنا زيغا أو نقصا وخطأ فليهد إلينا الصواب نشكر له سعيه ونقابله بالقبول والإذعان والانقياد والتسليم والله أعلم وهو الموفق”

وقد ألحقت في هذه الطليعة مقالين يكملان المقصود من هذه المقدمة.

كتاب رقمي

طليعة المقنع في علل الحديث